تعيد رسم خريطة القوة والدور الاستراتيجي بالمنطقة.. الشراكة السورية – المصرية نواة للتعاون الاقتصادي العربي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- يسرى المصري:

الأرقام والاتفاقيات الحالية تُظهر أن المصلحة الاقتصادية البحتة هي المحرك الأساسي للتقارب السوري – المصري. مصر تبحث عن أسواق جديدة لصادراتها من الخدمات والطاقة، وتستقطب استثمارات لإعادة الإعمار، وسوريا بحاجة ماسة إلى شريك موثوق لاستعادة عافيتها الاقتصادية. هذا التكامل، إذا نجح في تجاوز العقبات، لن يكون عائده اقتصادياً فقط، بل قد يشكل نواة صلبة للتعاون الاقتصادي العربي في مجالات الطاقة والغذاء والمواصلات، ما يعيد بعض الدور الاستراتيجي للمنطقة على خريطة الاقتصاد العالمي.
بين ضفاف العاصي ونهر النيل، تتدفق اليوم رياح أمل جديدة، تحمل في ثناياها عبق التاريخ ووعد المستقبل، في لقاء جمع دمشق بالقاهرة، لم يكن الرئيس السوري أحمد الشرع يلقي كلمات عابرة، بل كان يضع لبنات معمار جديد لتكامل عربي طال انتظاره.

“العلاقة السورية – المصرية ليست ترفاً، وإنما هي واجب” – بهذه الكلمات المحكمة، يختصر الشرع فلسفة التعاون التي تتجاوز المصالح الضيقة لتلامس صميم الوجود العربي المشترك، فالتكامل بين هذين البلدين، كما يؤكد التاريخ، لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان دائماً شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة وتوازنها.

الشراكة السورية – المصرية في أرقام…

تواصل سوريا جهود إعادة الإعمار في هذا الوقت وبعد سنوات من الصراع، تبرز مصر كشريك اقتصادي واستراتيجي محوري، مدعومة بعلاقات تاريخية وفرص تكميلية هائلة. اللقاءات رفيعة المستوى والتوقيع على مذكرات تفاهم في مجال الطاقة ليست سوى قمة جبل الجليد في تعاون يتعمق بسرعة.

حجم التبادل التجاري وطموحات التوسع

قبل 2011 تجاوز التبادل التجاري بين البلدين 500 مليون دولار سنوياً في بعض السنوات، مع وجود منتجات زراعية وصناعية مشتركة.
قبل التحرير.. انخفضت الأرقام الرسمية بشكل كبير ، لكن التبادل غير الرسمي (من خلال دول ثالثة) واستثمارات رجال الأعمال السوريين في مصر كانت تشير إلى وجود قناة اقتصادية حية.
مع استقرار الأوضاع واستئناف التعاون الرسمي، يُتوقع أن يتضاعف حجم التبادل التجاري عدة مرات، مدفوعاً باتفاقيات الطاقة والبنى التحتية.

الاستثمارات السورية في مصر..

فيما يتعلق برأس المال البشري والمالي  ومنذ عام 2011، انتقل أكثر من  150,000  سوري إلى مصر وفقاً لتقديرات غير رسمية، بينهم آلاف رجال الأعمال والمستثمرين.
استثمر السوريون مليارات الجنيهات المصرية في قطاعات حيوية، أبرزها النسيج والملابس الجاهزة ونجحت بالوصول لنسبة كبيرة من السوق المحلي والإقليمي.
واستثمارات في الصناعات الغذائية مثل الحلويات والمعجنات .
والمطاعم والمقاهي الأمر الذي ساهم في تنشيط قطاع الخدمات.

  التجارة والاستيراد والتصدير…

شكل السوريون نموذجاً ناجحاً للاستثمار والاندماج الاقتصادي، وخلقوا عشرات الآلاف من فرص العمل للمصريين.
اتفاقيات الطاقة.. قلب الشراكة الجديدة كانون الثاني  2026.
تضمنت مذكرة التفاهم الأولى توريد الغاز وتهدف لاستخدام البنية التحتية المصرية مثل محطات الإسالة وخطوط الأنابيب  لتصدير الغاز إلى سوريا.
مصر.. التي تحولت إلى مركز إقليمي للطاقة، لديها فائض في الغاز يمكن أن يسد جزءاً من العجز السوري في إنتاج الكهرباء الذي يقدر بنحو 50-60%  من الاحتياج.

تضمنت مذكرة التفاهم الثانية المشتقات البترولية لضمان تلبية احتياجات السوق السورية من المواد البترولية، ما يساعد في استقرار القطاع الصناعي والنقل.

إعادة الإعمار

تُقدر تكلفة إعادة إعمار سوريا بعشرات  المليارات من الدولارات.. مصر، من خلال شركات المقاولات والهندسة التي اكتسبت خبرة في مشروعات البنية التحتية الضخمة (المدن الجديدة، الطرق، الموانئ)، يمكنها الحصول على حصة كبيرة من هذه السوق.

الشبكات المصرية والسورية تخفض تكلفة نقل البضائع بين آسيا وأوروبا بنسبة 30-40%  مقارنة بالنقل البحري

كما تمثل السكك الحديدية أبرز مشاريع ربط الشبكات المصرية والسورية حيث ستخفض تكلفة نقل البضائع بين آسيا وأوروبا عبر المنطقة بنسبة قد تصل إلى 30-40%  مقارنة بالنقل البحري في بعض المسارات.
في مجال الأمن الغذائي “السلة الغذائية” من المتفق عليه أن يتم الجمع بين الأراضي الزراعية في سوريا والعراق، والخبرة اللوجستية والتجارية لمصر، والذي يمكن أن يخلق كتلة غذائية عربية تقلل فاتورة الاستيراد التي تتجاوز مليارات الدولارات سنوياً للدول الثلاث.
وتمثل الاتصالات الألياف البصرية مشروع الربط بين أوروبا والصين عبر سوريا يمكن أن يجعل المنطقة مركزاً رقمياً مهماً، بسرعة اتصال عالية وإيرادات مرور كبيرة.

ما نشهده اليوم هو أكثر من مجرد زيارة وفد تجاري أو توقيع مذكرات تفاهم، إنه إعادة اكتشاف للجغرافيا السياسية التي صنعتها الأقدار، سوريا ومصر، قلب الأمة النابض، يعيدان اليوم اكتشاف قوتهما عندما يتكاملان: في الطاقة حيث ستتدفق إمدادات الغاز عبر البنى التحتية المصرية، وفي إعادة الإعمار حيث ستساهم الخبرات المصرية المكتسبة في بناء ما تهدم، وفي الأمن الغذائي حيث “السلة الغذائية” المشتركة مع العراق ستوفر سيادة غذائية تنقذ المنطقة من تقلبات الأسواق العالمية.

لعل الأكثر إشراقاً في هذه الصورة هو البعد الإنساني الذي ذكره الشرع، عندما شكر الشعب المصري على كرمه مع اللاجئين السوريين، فهذه العلاقة ليست بين حكومات فحسب، بل هي بين شعبين تشاركا الألم والأمل.

الاستثمارات السورية في مصر منذ 2011، واليوم الاستثمارات المصرية في إعادة إعمار سوريا، هما وجهان لعملة واحدة: ثقة متبادلة تتحول إلى شراكة إستراتيجية. مشاريع الربط بين أوروبا والصين عبر الجغرافيا السورية، واستكشاف الغاز في المتوسط، وتطوير الموانئ والسكك الحديدية – كلها أحلام كانت تبدو بعيدة وهي اليوم تتحول إلى خطط عمل.

في زمن التحديات الإقليمية والدولية، يبدو أن سوريا ومصر أدركتا أن قوتهما في وحدتهما، وثراءهما في تكاملهما. هذا المسار الجديد، إذا سار في طريقه الصحيح كما تمنى الرئيس الشرع، قد لا يغير مستقبل البلدين فحسب، بل قد يعيد رسم خريطة القوة في المنطقة، مؤسساً لتحالف عربي فاعل قادر على حماية مصالحه وبناء ازدهاره.

الحرية الاقتصادية ترحب بهذا التوجه، وتؤمن أن الاقتصاد قادر على بناء ما دمرته السياسة أحياناً، وأن المصالح المشتركة هي أقوى جسر بين الشعوب، فلتكن هذا البداية الحقيقية لنهضة عربية جديدة، تبني من الركام صروحاً للكرامة والازدهار.

Leave a Comment
آخر الأخبار