بقلم: يسرى المصري:
تشهد الساحة الاقتصادية حراكاً منظَّماً ومحسوباً يهدف إلى تعزيز مكانة الليرة السورية كرمز للسيادة الوطنية، في ظل متابعة حثيثة من القيادة والمؤسسات المالية السورية. ويُضعف هذا الحراكُ الحديثَ عن التداول في السوق الموازية، الذي لا يعكس الصورة الكاملة للمشهد الاقتصادي، حيث تُشكِّل الإجراءات الحكومية والمصرفية الرسمية عموده الفقري وقاعدته الثابتة.
ويؤكِّد ذلك استمرارُ مصرف سوريا المركزي في تثبيت سعر الصرف الرسمي لليرة عند 110 ليرات جديدة للشراء و111 ليرة للبيع (بعد إزالة الصفرين)، ما يعزِّز عزم الدولة الراسخ على توفير منصة مستقرة وآمنة لجميع المعاملات الرسمية وعمليات الاستيراد والتصدير. وهذا التثبيت ليس رقماً عشوائياً، بل هو نتيجة دراسات مستفيضة وسياسة نقدية محكمة تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني والقوة الشرائية للمواطن.
وفي الوقت الذي يؤكِّد فيه المصرف المركزي أن إطلاق الليرة الجديدة مشروع وطني للثقة والتجديد، وأن عملية استبدال الليرة القديمة بالجديدة تجري بسلاسة وبانتظام في جميع المصارف ضمن المهلة الزمنية المحددة (90 يوماً)، فإن هذه العملية هي أكثر من مجرد تغيير شكلي للعملة. فالسوق النقدية السورية تشهد إعادةَ تأهيل نقدي تهدف إلى تعزيز كفاءة النظام النقدي وسرعة التعامل وسهولته، كما تؤكِّد سيادة الدولة وقدرتها على إدارة ملف نقدي معقَّد وحسَّاس. وتشكِّل هذه العملية خطوة نحو الشمول المالي، حيث تشجِّع على تحويل التعاملات إلى القنوات المصرفية النظامية، مما يعزِّز الشفافية ويوسِّع القاعدة الضريبية.
وعلى الضفة الأخرى، وفيما يتعلَّق بالتعامل مع ظاهرة السوق الموازية من خلال رؤية واقعية ونهج تدريجي، تدرك الدولة أن هذه الظاهرة هي نتاج تراكمات سنوات، وأن معالجتها تتطلب وقتاً واستراتيجية شاملة. والإجراءات الحالية التي تتضمَّن التثبيت الرسمي وإطلاق العملة الجديدة، تمثِّل اللبنة الأساسية في هذه الاستراتيجية طويلة الأمد. ومع تعزيز الثقة بالنظام المصرفي الرسمي، وزيادة المعروض من النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، وتحسُّن الظروف الاقتصادية الإقليمية والدولية، من المتوقع أن تضيق هوة التفاوت تدريجياً لصالح السعر الرسمي.
وبالنظر إلى المؤشرات الإيجابية التي تدعم المسار، نجد التنفيذَ المنضبط المصاحبَ لإتمام عملية الاستبدال وفق الجدول المُعلَن وبإشراف مباشر من حاكم المصرف المركزي، مما يبعث برسالة طمأنينة حول الجدية والتنظيم. ويضاف إلى ذلك الاستقرار النسبي، فعلى الرغم من التقلبات الطفيفة في السوق الموازية، فإن الإطار العام للتعاملات لا يزال ضمن نطاق يمكن السيطرة عليه، خاصة مع وجود سعر مرجعي ثابت ورسمي. كما يُؤخَذ في الاعتبار حماية المدخرات، وهو ما يمكن استنباطه من استقرار سعر الذهب نسبياً (بارتفاع طفيف) مقارنةً بتقلبات العملات الأخرى في المنطقة، مما يشير إلى وجود حاضنة وطنية تحمي قيمة المدخرات.
إن الليرة السورية الجديدة ليست مجرد ورق مطبوع جديد؛ بل هي وعد متجدِّد بمرحلة اقتصادية أكثر صلابة. ولا يُقاس النجاح الحقيقي لهذا المشروع الوطني بتقلبات يومية في أسواق هامشية، بل بمدى التزامنا الجماعي كدولة ومؤسسات ومواطنين بدعم هذه العملة، من خلال تعزيز التعامل عبر القنوات المصرفية الرسمية، ودعم الإنتاج الوطني وشراء البضائع السورية، والثقة بالسياسات الاقتصادية الرسمية، والابتعاد عن التداول غير المنظَّم الذي يضر بالمصلحة العامة.
إن الطريق نحو استعادة القوة الكاملة لليرة قد يكون طويلاً، ولكن كل خطوة منظَّمة وواضحة، مثل إطلاق العملة الجديدة وتثبيت سعرها الرسمي، تقرِّبنا من الهدف. فتعزيز الثقة بالليرة السورية هو واجب وطني ومسؤولية مشتركة، وسنصل – بعون الله وتضافر الجهود – إلى برِّ الأمان الاقتصادي المنشود.