سكان الزنازين الزرقاء.. ضياع في الزمان الرقمي!

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- حنان علي:

قرأت مرة عن شاب في كيوتو يخصص ساعة أسبوعياً لكتابة رسالة ورقية واحدة، في محاولة منه لمقاومة إغراء السرعة الرقمية. أحببت الفكرة، لكن سرعان ما استسخفتها! فلا ورق رسائل لدي، ولا ظروف بحواف مزركشة بالأزرق والأحمر، ولا أظن أن للمكتبات شغفاً باقتنائها! ثم أين صندوق البريد، ألم تنهكه الأيام والحرب؟ حسناً.. لمن أرسلها؟ لصديقٍ لا تكلفني قراءة أخباره الإلكترونية أكثر من ثانية؟

وإن فعلت هذا كله وأرقتُ أفكاري (حبراً على ورق) وندّيتها بالعطر! هل ستجد متلهفاً غادياً كل يوم إلى مكتب البريد؟ هل سيعمد الساعي لقراءتها وإقفالها خلسة طمعاً في الحصول على مكافأة (الأخبار السارة)؟ تالياً؛ هل تغيّرت عناوين الرفقاء؟

أتخيل مستلم رسالتي يغرقه الضحك قبل أن يفتح صندوقه الإلكتروني ويكتب بلحظة:” يا لك من مجنونة!”.

وهم الكثرة

تتقلص مساحات التواصل الوجداني كما تتقلص غرف الشقق الحديثة. يا لها من مفارقة! رنين لا نهائي عبر الشاشات، طنين متدفق (بالمسجات) وعزلة متنكرة في زنازين (المتابعين واللايكات). وسرعان ما تذكرت “العم أبو فؤاد” الذي وجد متنفّسه في تأنيق أصص الريحان المخضرة في كل الفصول، فيما أحاول عبثاً تنسم العبق من جورية هاتفي.

رنينٌ لا نهائي عبر الشاشات، طنينٌ متدفق (بالمسجات) وعزلةٌ متنكرةٌ في زنازين (المتابعين واللايكات).

يقول عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا إننا نعيش في “تسارع اجتماعي” يجعلنا نركض ولا نصل، نتواصل من دون أن نلتقي، نعيش من غير أن نكون. أتراها السِّمة الجوهرية لإنسان القرن الحادي والعشرين؟ ذلك المتبجح بكثرة المعجبين! من يحمل بيده مقاليد الافتراض، ويبحث في جيبه عن مفتاح قلبه.

بالفعل إنها مأساة التواصل الرقمي، إننا كمن يتأمل مطراً خلف النافذة – كثيفاً، سريعاً لكنه بعيد. صرنا نعرف أخبار الأصدقاء قبل أحوالهم، نرى صورهم قبل ملامحهم، نقرأ كلماتهم قبل وجدانهم. وبدل أن نقلب بألبومات صورنا الفوتوغرافية، ننقر أيقونة الذكريات في (الفيس بوك) حيث يقبع متحفنا الخاص، كيف تطورنا أو انتكسنا أو وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. هناك حيث ذكرياتنا الثمينة؛ قد تتلاشى بلحظة خطأ تقني.

زمننا يشنّ حرباً صامتة على الفراغ، يحوّل كل لحظة إلى سلعة، أي جهد إلى نشاط قابل للقياس

فراغ الوعاء

كل ما يجري يستعيد المثل الصيني: “الوعاء مفيد بفراغه”. صحيح أن اتساع الروح لا يتحقق إلا بفجوات من الزمن الحر، لكن زمننا يشنّ حرباً صامتة على هذا الفراغ، يحوّل كل لحظة إلى سلعة، أي جهد إلى نشاط قابل للقياس. أما ملء الفراغ في عصرنا، فليس مجرد نهب للوقت فحسب، بل اقتلاع لجذور التأمل، وإلغاء للمسافة اللازمة لرؤية أنفسنا وانعكاسات العالم علينا. عندما تكتظ الدقائق بالأصوات والصور والأوهام، نفقد الفرصة للسماح بالتساؤلات العظيمة، وطهو الأحاسيس الخفية وإطلاق التفكير المرن. إن إفراغ أعمارنا من فراغها، لا يفقدنا الوقت فحسب، بل القدرة على أن نكون أوعية لحياتنا.

ألا يمكن لفراغ داخلي أن يحدث مساحة تستقبل الألم قبل أن تحوله إلى حكمة؟ لا أعتقد أن الضيق في الغرف التي نسكنها، بل بالأفئدة مغلقة الأبواب. وكما تجد النبتة الصغيرة شقاً في الإسمنت لتنمو، تجد الروح البشرية مسلكاً للضوء. أما متّسع الروح الذي نبحث عنه فليس تحقيق (تريند) ، بل العثور على “مساحة من الزمن.. زمن نمنحه لأنفسنا لنكون بلا أضواء، بلا استعجال. فسحة نخلع فيها هوس “الفرادة” لنعترف: “نحن بشر… وهذا يكفي”.

Leave a Comment
آخر الأخبار