لقاء اقتصادي نوعي في اللاذقية يحمل رؤية تنموية متكاملة للاقتصاد السوري حتى 2035

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة اسماعيل:

نظمت نقابة الاقتصاديين السوريين – فرع اللاذقية، لقاء حوارياً تفاعلياً مع الدكتور أسامة القاضي، المستشار الأول لوزير الاقتصاد والصناعة، في المكتبة المركزية بجامعة اللاذقية، بعنوان: “الرؤى التنموية للاقتصاد السوري – إضاءة على تجارب دول أخرى”، وذلك بحضور رسمي وأكاديمي واقتصادي موسع.

شكل اللقاء أولى الفعاليات التي تطلقها نقابة الاقتصاديين السوريين – فرع اللاذقية، في سياق دعم مسار النهوض الوطني عبر الحوار الاقتصادي الرصين، واستثمار الخبرات العلمية والعملية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

مرحلة مفصلية

وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت رئيس مجلس النقابة الدكتوره منى بيطار أن سوريا تمر بظروف استثنائية وتدخل مرحلة مفصلية لا تتكرر كثيراً في تاريخ الدول، ما يستدعي حواراً اقتصادياً جدياً يقوم على أسس علمية وخبرة عملية.

واوضحت أن عنوان اللقاء يعكس مدى إدراكنا لأهمية استشراف المستقبل من واقع الدروس المقارنة، وتصفح تجارب النهضة التي خاضتها الدول المختلفة في بناء اقتصادها، وتحليل محتواها وسبر إيجابياتها وسلبياتها لنصل إلى تشكيل تراكمي يمكن تشبيكه مع نقاط الواقع السوري والنهضة به من جديد.

المشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل

وشددت بيطار على أن دور الاقتصاديين لا يقتصر على تشخيص المشكلات، بل يمتد إلى المشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل، عبر رؤى تجمع بين الخصوصية الوطنية والانفتاح على الخبرة العالمية، كما توجهت بالشكر للدكتور القاضي على تلبية الدعوة، ولمحافظ اللاذقية على رعايته، ولجامعة اللاذقية على دعمها.

الرؤية التنموية والتاءات الثلاث

من جهته، قدم الدكتور أسامة القاضي عرضاً معمقاً للرؤية التنموية للاقتصاد السوري، مرتكزاً على ما وصفه بـ”التاءات الثلاث”: التعليم، التصنيع، والتكنولوجيا.

وأوضح أن التعليم المقصود هو التعليم الفني والمهني عالي الجودة، باعتباره الأساس في بناء قوة عمل مؤهلة وقادرة على المنافسة، أما التصنيع فلا يقتصر على الصناعة التقليدية، بل يشمل التصنيع الزراعي، ما يفرض إعطاء الزراعة أولوية استراتيجية، في حين تمثل التكنولوجيا عنصراً حاكماً يدخل في جميع مفاصل الاقتصاد، من المصارف والمؤسسات الحكومية إلى الصناعة والزراعة.

وأضاف القاضي “التنمية المتوازنة” كتاء رابعة، مؤكداً أن العدالة التنموية بين المحافظات، والتوازن في تطوير القطاعات الاقتصادية، شرط أساسي لتحقيق استقرار اجتماعي واقتصادي مستدام، دون تفضيل قطاع على حساب آخر.

ثورة تشريعية

وتوقف القاضي عند ضرورة إطلاق ثورة تشريعية متزامنة مع انعقاد البرلمان، للتخلص من منظومة قوانين تراكمت على مدى نحو 60 عاماً، وكان معظمها – بحسب وصفه – معيقاً للتنمية، مشدداً على أن تطوير التعليم الفني والتدريب المهني على مستويات عالمية كفيل بجذب الاستثمارات، عندما تقترن الكفاءة العالية بتكلفة عمالة تنافسية.

الشراكات والتدريب والكفاءات

وفي هذا السياق، استعرض القاضي تجارب دولية ناجحة، مبيناً أن فيتنام حققت نمواً تجاوز ألف ضعف منذ عام 1975 إلى اليوم، بفضل كفاءة اليد العاملة، وأن كوريا الجنوبية، التي خرجت من حرب مدمرة، وصلت اليوم إلى ناتج قومي يقارب 1.8 تريليون دولار نتيجة التركيز على التعليم والتكنولوجيا والانفتاح والشراكات الدولية، إلى جانب تجارب سنغافورة وألمانيا الغربية التي جعلت من التدريب الفني ركيزة لنهضتها.

سياسة نقدية واعية

وأكد الخبير الاقتصادي أن الرؤية الاستراتيجية تستهدف، بحلول عام 2035، أن تشكل الطبقة الوسطى ما بين 60 و70% من المجتمع السوري.

وأشار إلى وجود سياسة نقدية واعية، موضحاً أن المصرف المركزي مستقل بالكامل عن وزارة المالية، وأن الأخيرة لم تقترض ليرة واحدة من المركزي، بل حققت فائضاً يقارب نصف مليار دولار خلال العام الحالي رغم الظروف الصعبة.

سنة الانطلاق

وفي إطار توصيف المرحلة، اعتبر القاضي عام 2025 “سنة صفر” تمهيدية، فيما ستكون 2026 سنة الانطلاق الفعلية، خاصة بعد رفع العقوبات، وعودة العمل بنظام “سويفت”، وطرح عملة جديدة عالجت أربع إشكاليات أساسية: غسيل الأموال، المضاربة، التزوير، وجفاف السيولة.

منظومة متكاملة

وفي تصريح خاص لـ”الحرية”، أوضح الدكتور أسامة القاضي أن أحد أكبر التحديات يتمثل في واقع القطاع العام “المترهل اقتصادياً”، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يختزل بالعملة أو الإنتاج فقط، بل بمنظومة متكاملة تشمل الإدارة، والعمالة، والبنية المؤسسية، والأمن الاقتصادي.

وبيّن أن القطاع العام الصناعي، الذي يضم أكثر من 93 صناعة، تكبد خسائر في نحو 76 صناعة، وكان يكلف الخزينة دعماً سنوياً يقارب 100 مليار ليرة سورية.

شراكة وليس تخصيصاً

وأوضح أن الحل لا يكمن في الخصخصة أو بيع القطاع العام، بل في الشراكة مع القطاع الخاص عبر صيغ مثل عقود B.O.T، حيث يتولى المستثمر التشغيل وتحقيق الكفاءة، مقابل نسبة من الأرباح، ثم إعادة المنشأة إلى الدولة بعد 10 أو 15 عاماً حسب العقد.

امتصاص البطالة

وأكد أن معالجة فائض العمالة تتم من خلال هيئة تدعم المشاريع المتناهية الصغر والصغيرة، وتوسيع قاعدة الاستثمارات لخلق فرص عمل قادرة على امتصاص البطالة.

وأشار إلى نماذج الشراكة الاستثمارية، موضحاً أن المرافق الاستراتيجية كالمرافئ والمطارات والنفط والغاز …الخ، ليست للبيع بل للاستثمار.

إضافة للدخل القومي

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن قطاع النفط كان يشكل نحو ثلث الناتج القومي السوري، ويمكن في حال إعادة تأهيل الآبار المتهالكة من قبل الشركات الأمريكية المستثمرة (شيفرون- كونوكو فيليبس) أن يضيف ما بين 15 و20 مليار دولار للناتج القومي، مع تحسين الواقع البيئي في الشمال الشرقي، مضيفا إن سوريا تحصل حالياً على نحو 60 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً كرسوم عبور للغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان.

نقاشاً معمقاً

بدورها، أكدت الدكتورة بيطار في تصريح خاص لـ “الحرية” أن اللقاء كان بالغ الأهمية، لكون الضيف يجمع بين الخبرة العلمية والعملية، ما أتاح نقاشاً معمقاً حول تجارب دول مثل ألمانيا، فيتنام، كوريا الجنوبية، والبرازيل.

وشددت على ضرورة تعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير البيئة التشريعية والقانونية، والاستثمار في التعليم المهني والفني، إلى جانب مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الانتقالية كمرتكزات أساسية للتنمية.

قطاع واعد

وشهد اللقاء مداخلات نوعية من ممثلي غرف التجارة والصناعة، ومديري المصارف، والجامعات، ركزت على الاستثمار البشري، وتطوير المدارس الصناعية، ومنح المحافظ مرونة أكبر في اتخاذ القرارات، إضافة إلى الاهتمام بالسياحة بشكل أكبر، كقطاع واعد يتطلب تحديث القوانين الناظمة له.

رؤية شاملة بعيدة المدى

وخلال اللقاء تم التأكيد أن النهوض بالاقتصاد السوري يتطلب رؤية شاملة بعيدة المدى، تقوم على الإنسان، والإصلاح التشريعي، والشراكة الذكية مع القطاع الخاص، والاستفادة المنهجية من التجارب الدولية، بما يضع سوريا على مسار تعافٍ حقيقي ونهضة اقتصادية مستدامة.

Leave a Comment
آخر الأخبار