“جوكندا” نواف يونس: لوحة ترسم معركتها

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – أحمد عساف:

الأديب السوري نواف يونس من الأدباء الذين يتألقون بإبداعاتهم بكثير من الهدوء والتروي. ورغم أن العمل الصحفي يأخذ معظم وقته، لكنه يعتبر ورشة عمل إبداعية، فقد حاز العديد من الجوائز الهامة، وصدرت له عدة كتب في النقد الأدبي والمسرحي. منها مسرحية: الرحيل، ومسرحية: ملك ليوم واحد. وكتاب نقدي: رماد الأصابع. ومجموعة قصصية بعنوان: (حلم تحت خط الصفر).

عن قصصه وأبطال قصصه يقول الأديب نواف يونس: ” تتناول قصصي أوضاع المهمشين والمطحونين وهي القضية الأساسية لنا ككتاب ومثقفين، نحمل لواء الدفاع عن قضايا الإنسان العربي، وشخصيات قصصي أغلبها ذات أسماء هامشية مثل غريب أو بدوي، وهي ذات رموز دلالية أكثر منها واقعية.” وهنا سأتوقف عند قصة (الجوكندا). هذه القصة التي تم ترجمتها إلى اللفة الإنكليزية والفرنسية. ومن العنوان الذي أرى أن اختياره موفق جداً، لعدة أسباب: أن العنوان هنا رمزي فـ (الجوكندا) اللوحة الأشهر عالمياً قد ترمز إلى: الكمال المستحيل الذي يطارده الفنان. والغموض الإنساني الذي لا يمكن إدراكه كلياً. وعالم التواصل الصامت، لوحة تنظر إليك ولا تتحدث، كعلاقة البطل مع عالمه.

في هذه القصة استخدم الأديب ضمير المتكلم، هو يتحدث ويروي أحاسيسه وانفعالاته وأحداث القصة بلسان الراوي، البطل فنان تشكيلي تقص القصة عنه وعن علاقته بالألوان وإسقاطاتها ودلالاتها وأبعادها وأنسنتها. أما استخدام الأديب “لسان الفنان” ليس مجرد تقنية سردية فقط، بل هو مدخل لاستكشاف عالم الإدراك الحسي والفني.

الرسم بالكلمات

اللغة هنا قد تتحول إلى (فرشاة) ترسم بالكلمات، وبالتالي فالعلاقة مع الألوان ليست تقنية فنية فقط، بل هي استعارة فلسفية، قد تمثل الألوان حالات نفسية (الأزرق لبعض الكآبة ولبقايا الأمل، الأحمر للولادة ولقادمات الأيام ولقليل من الهواجس، الأسود للموت والسرمدية، وربما أراد الأديب منها أن تكون رموزاً لربط علاقات مكونات القصة بعضها مع بعض، من الجنين ورمزيته إلى باقي مكونات القصة. هذه القصة تنتمي وبامتياز إلى عالم القصة القصيرة العالمية الحديثة المعاصرة، فهي تحمل كل مقومات وأساسيات القصة القصيرة الحديثة جداً. وتنتمي للسريالية بكثير من الشغف.

ففي متنها خصائص في لغة القصّ الحداثي، أي بوصفها لغة إشارية في أعلى مستوياتها.. لغة ممتلئة، تخرج عن المألوف في أساليب الربط وتكّون العلاقات الإبداعية.

يقول بطل القصة: ” غمرتني الفرحة، بدأت أمزج الألوان.. الألوان أصبحت كثيرة ومتداخلة.. خطوط مستقيمة ومثلثات.. مربعاتٌ وأشكالٌ لا تقع تحت قياس هندسي، الجنين يحطم كل الأشياء، يخرج منه لهب، أحمر.. برزت جياد تطارده.. جياد كثيرة.. بني اللون البني لأول مرة في اللوحة.. يحاصرونه، أسود.. زاد الأسود وعاد ليسيطر على اللوحة، رائحة الموت والمجدُ والخلود، أخضر ولكنه يقاوم، تمكنوا منه سحلوه.. بعض الرمادي فوق الأسود، قتلوه قتلاً بطيئاً.. سواد.. سواد. بدأ الجنين يعود مرة أخرى للحياة.. ألوانٌ وأحلامٌ تتموج بلا نهاية، رأيت في عينيه رجاء العبور إلى الضفة الأخرى..”

إسقاطات الألوان قد تشير إلى محاولة البطل إسقاط عالمه الداخلي على الواقع الخارجي، أو العكس. عبر هذه اللغة التشكيلية العذبة في السرد لغة شعرية رمزية تعبيرية سوريالية بامتياز. تتناول موضوع الفنان والمعاناة الإبداعية. تألق الأديب نواف يونس في هذا المخيال القصصي العذب والذي وظف فيه الانزياحات اللغوية من تكثيف واختزال ناجح. كقوله:(ذابت وعم الظلام) الذوبان: هو التحول الوجودي للفنان من خالق منفصل إلى جزء من الخلق نفسه. والظلام: ليس العدم، بل الوسط الخصب الذي تبرز منه الصور الجديدة، كاللوحة البيضاء قبل البدء بالرسم عليها.

يقول: مزجت الألوان بعضها ببعض، وانتظرت اللحظة الأخيرة لأضع الفرشاة في المكان المناسب، فاللوحة قاربت على النهاية فجأة! انطفأت الشمعة..”  مقطع مذهل، يحمل دلالات وجودية وفنية عميقة.

التحول من الفعل إلى التلقي

نهاية السيطرة، بعد عنف المعركة التشكيلية، يصل الفنان إلى لحظة التوقف، الانتظار. الإبداع هنا يصبح حدسًا أكثر منه فعلًا واعيًا. “الفرشاة في المكان المناسب”: ليست مهارة تقنية فقط، بل نقطة مصيرية وحتمية، كما لو كان الفنان أداة لقوة أكبر توجه يده. “ذابت وعم الظلام.. ومن مشهد أفقي منكسر الضوء.. معتم الزوايا، بدت بقع شمسية شاردة لا تهتدي، تبرز على اللوحة شعراً وسيفاً ورقصاً وموسيقا، حينها فقط أيقنت أن النهاية في اللوحة، قد تكون البداية”. (منكسر الضوء): الضوء ليس مباشرًا، بل متشظ، كالرؤى التي تأتي في الأحلام أو لحظات اللاوعي.

قيم مجردة متجلية

الشعر: الكلمة، التعبير، الوجدان. السيف: الصراع، القوة، الحدة. الرقص: الحرية، الانسياب، الجسدانية. الموسيقا: الانسجام، الإيقاع، الروح. هم المكونات الأساسية للحضارة الإنسانية والفن. اللوحة لم تعد رسمًا، بل أصبحت كونًا مصغرًا يحتوي كل الفنون.

قصة (الجوكندا) ترفع سؤالًا جوهريًا: أيهما أكثر واقعية اللوحة المعلقة في المتاحف، أم المعركة الداخلية التي ولّدتها؟

Leave a Comment
آخر الأخبار