ندى الحروف.. إيقاع العاطفة وبناء الدلالة في شعر علي عبد الجاسم

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – محمد خالد الخضر:

يقول الشاعر علي الجاسم في قصيدته الحب سفر،من مجموعته الشعرية ندى الحروف:
الليل يقطر بالنسيم معتقاً
صرفاً ويدعونا إلى عشق السفر
الحب كالسفر الجميل إذا صبا
وهيامنا برج الغرام بمن حضر
في خدها ألق يثير توقدي
وبطرفها خطر يذيب إذا نظر
نجد أن الشاعر في كلماته وعباراته إيقاعات عذبة ونظم متوافق مع العاطفة.. يقوم جوهره على التلازم والانسجام بين الأجزاء وإتلافها فيتمكن من تكوين التماسك التركيبي. وليس غريباً أن نجد أن الأساس الجمالي في القصيدة يكمن في الإيقاع الذي ينتج عن النشاط النفسي والانفعال الذي تسببه الموهبة الشعرية الموجودة في عواطفه وخياله.
وواضح أن الاندفاع الشعري عند علي عبد الجاسم هو إلهام عفوي يأتي من دون أن يقسر نفسه أو مخيلته في نظم القصيدة.. فتبدو مكونات القصيدة أنها جاءت عندما انفعلت عواطفه وجاشت نفسه بذلك.. وهذه دوافع لا يمكن أن يقاومها الشاعر.. إلا أن ثقافته الشعرية تجعله يحرص على أن يتوحد النغم والصورة والفكرة واللفظ والأسلوب.
ويقول الشاعر أيضاً في قصيدة نكران:
مازلت توهم كالسراب ولا أثر
بين الظلال تضيع أوطار البشر
تدنو من الأحلام بهجة عابر
وتتيه في تعب المرامي والسفر
بالقرب يركد نحو طيفك خافقي
وتطيب في ملقاك أنغام الوتر
وبرغم المؤثرات النفسية التي تأتي بالقصائد فهو حريص على الدلالات والرموز وانتقاء البحور الشعرية الملائمة عبر عواطفه وانفعاله مع تحولات الحياة بإشراق نفسي وألق روحي شفيف وتقديم الصور والمضامين الجديدة لتدخل في أعماق النفس الأخرى وتبعث في الحياة كثيراً من النماء والجمال والأمل دون أن يتخلى عن إبائه وكرامته وشممه إضافة إلى وجود المبادئ والفكر والتحدي الشعري يقول:
مساء الخير حين الخير يهمي
بنائله وقد سمح المحال
على حين جاءت نصوصه الشعرية الحديثة على بناء إبداعي جديد تزيد رونقه الدلالات والرموز والانفتاح الدلالي.. فالقصيدة عنده مليئة بالشغف والرؤى وامتلاك زمام اللغة وقيمها الفكرية والجمالية ووجود مخزونها العاطفي دون أن يتخلى عن وضوحه اللفظي.. ففي كل عبارة تركيب جديد يلمع ليشع على تفاعلات الروح .
يقول في قصيدة دمشق:
دمشق.. كأنك والياسمين.. احتفال بروض الخلود..
تطلين عبر الجهات..
بوجه صبوح يريح القلوب..
إذا ما ابتكرتِ فضاء التباهي
ويقدم الشاعر في نصوصه الحديثة تجديداً نوعياً واستبصاراً حدثياً يظهر من خلاله تكوين الرؤى والإيماءات الروحية فتجتمع في نصوصه كل مكونات الحياة في البيئة التي يعيشها ويتواصل فيها مع الواقع فتبدو فيها أنماط الرومنسية وطبائع الإنسان.
ولا يخفى علينا التقنية الشعرية والخبرة الإنسانية والتأملات الفكرية والتوغلات في عالم المعرفة ووجود التراكيب الجديدة في الألفاظ على أساس الوعي الشعري وثبات وجود الموهبة يقول في قصيدة جنون الحساب :
دعني أعد مفارقي..
ومفاصلي..
أتقنت فعل العد..
وانتظم الحساب بدفتري..
وعرفت فن الجمع..
لكن الجموع تفرقت.
ونخلص إلى أن المجموعة الصادرة عن دار بعل تتميز فيها النصوص بقوة المطالع المرتكزة على العاطفة الصادقة والتي تتحول بإحساس ودلالات تكتمل مع التوازن الموضوعي لكل النصوص التي تألقت في كل معانيها.

Leave a Comment
آخر الأخبار