الحرية– باسمة إسماعيل:
تشهد الساحة الاقتصادية تبايناً ملحوظاً بين تصريحات المسؤولين الاقتصاديين التي غالباً ما تحمل نبرة تفاؤل وطمأنة، وبين تحذيرات المحللين التي تسلط الضوء على الجوانب السلبية والمخاطر المحتملة، هذا التباين بين الخطابين يثير تساؤلات عديدة حول الأسباب الكامنة وراءه: هل نعيش حالة من الضياع، أم إن لكل طرف سياقاً مختلفاً يحدد من خلاله خطابه؟
الفروق الجوهرية بين التصريحات
في حديثه لـ”الحرية”، يوضح الخبير الاقتصادي شادي أحمد الفروق الجوهرية بين تصريحات المسؤولين الاقتصاديين وتحليلات المحللين، مشيراً إلى أن الفارق لا يتعلق بالصدق أو المصداقية، بل يتعلق بالأدوات والمسؤوليات التي يمتلكها كل طرف، ويكمن الاختلاف في المقاربة الأساسية التي يعتمدها كل من المحلل والمسؤول.. مقدماً تحليلاً دقيقاً لهذا الفرق، في الجوهر والشكل.
الفرق في الجوهر
يضيف أحمد: المحلل الاقتصادي يتخذ من تفسير البيانات والتوقعات المستقبلية هدفاً رئيسياً، وظيفته تنطوي على فحص الأرقام واستخلاص العبر منها لتقديم صورة واضحة ودقيقة حول الأسباب المحتملة للأزمات وآثارها المتوقعة.
في هذه الحالة يسعى المحلل إلى “كشف الحقيقة” كما هي، بغض النظر عن تأثير ذلك على حالة التفاؤل أو القلق لدى الجمهور.
في المقابل، لا يقتصر دور المسؤول الاقتصادي على تقديم التحليل، بل كوسيلة لتحقيق الاستقرار والتوجيه، تصريحاته ليست محض رأي شخصي، بل تجسيد للسياسة الاقتصادية للدولة، التي تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن تعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والدوليين.
وكذلك، فإن المحلل الاقتصادي يتمتع بحرية واسعة تسمح له بتوجيه النقد، بل أحياناً استخدام مصطلحات قاسية مثل “كارثي” أو “مؤلم” عند تقييم الوضع الاقتصادي، هذه الحرية تعكس استقلاليته في الرأي، تتيح له تقديم تحليلات نقدية بعيدة عن الاعتبارات السياسية .
أما المسؤول الاقتصادي، فيظل مقيداً بمجموعة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية التي تتطلب منه الحفاظ على توازن دقيق بين الحقيقة والمصالح الوطنية، أي تصريح قد يخل في توازن السوق أو يثير قلقاً غير مبرر، يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي.
وبينما يتحمل المحلل الاقتصادي مسؤولية مهنية وأخلاقية في تقديم تحليلات دقيقة استناداً إلى البيانات والواقع، فإن تأثير تصريحاته يظل محدوداً على الرأي العام، أما المسؤول الاقتصادي، فيحمل مسؤولية مباشرة في قراراته، حيث إن تصريحاً غير مدروس قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق، مثل هروب استثمارات، أو تراجع قيمة العملة أو انهيار مؤشرات البورصة.
كما تطرق الخبير الاقتصادي إلى الفروق الآخرى وهي في الشكل:
إذ تتميز لغة المحلل الاقتصادي بالتخصص والعمق، وتتضمن مصطلحات تقنية وعلمية، وعبارات نقدية صريحة توجه إصبع الاتهام نحو السياسات المعتمدة، هذه اللغة قد تكون معقدة للبعض، لكنها ضرورية لتفسير القضايا الاقتصادية بشكل تفصيلي.
في المقابل، يلتزم المسؤول الاقتصادي بلغة دبلوماسية، محكومة بالضوابط السياسية والاقتصادية، استخدام كلمات دقيقة بعناية ضروري لمنع أي تفسيرات خاطئة أو تشويش قد يزعزع الثقة في الاقتصاد الوطني، هذه اللغة تهدف لتجنب إرباك السوق أو الجمهور.
وفي طريقة الصياغة، غالباً ما يستخدم المحلل الاقتصادي لغة الاحتمالات والتوقعات، حيث يشير إلى احتمالات متعددة بناءً على التحليل المتاح، مثل “من المحتمل” أو “قد يحدث” أو “من المرجح”. هذا الأسلوب يتيح له تقديم سيناريوهات متنوعة وفقاً للبيانات المتوافرة.
بالمقابل، يركز المسؤول الاقتصادي على لغة أكثر تأكيداً ووضوحاً، مثل “سوف نلتزم” أو “نهدف إلى”، أو “سنحقق” ليعكس استقراراً في السياسات ووعوداً حازمة تلتزم بها الدولة.
أما في مجال استخدام الأرقام، فالمحلل الاقتصادي يعتمد بشكل كبير على الأرقام كمفاتيح لتحليل الواقع الاقتصادي وتقديم تفسير منطقي للأزمات الاقتصادية، يستخدم الأرقام في كثير من الاحيان لتوضيح الثغرات أو المخاطر الكامنة.
في المقابل، يستخدم المسؤول الاقتصادي الأرقام كدليل على النجاح أو الإنجاز، بل يعرضها كأهداف قابلة للتحقيق ضمن الخطط المستقبلية.
ومن حيث الجمهور المستهدف، يوجه المحلل الاقتصادي خطابه إلى الجمهور العام، ويهدف إلى تبسيط القضايا المعقدة وتوضيح الأسباب والنتائج، والتشخيص الموضوعي للأزمات.
أما المسؤول الاقتصادي، فإن خطابه موجه بالأساس إلى المستثمرين، والمجتمع الدولي، ووكالات التصنيف الائتماني، حيث يسعى إلى طمأنتهم وإقناعهم بقدرة الدولة على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني.
دور كل طرف في تشكيل الصورة الاقتصادية
من خلال هذا التحليل، يتضح أن الفجوة بين تصريحات المسؤولين والمحللين الاقتصاديين ليست مجرد تناقض في الرؤى، بل هي انعكاس لاختلاف جذري في الأدوار التي يؤديها كل طرف، فالمسؤول الاقتصادي هو “الجراح الحذر” الذي يزن كلماته بعناية ودقة لكيلا يتسبب في أضرار مباشرة، في حين أن المحلل الاقتصادي هو “المرآة” التي تعكس الواقع كما هو، بعيداً عن أي تجميل أو تعديل، ورغم اختلاف أدوات وأساليب كل طرف، فإن كليهما يساهم في تشكيل الصورة الكاملة للوضع الاقتصادي.
سؤال مفتوح
في ظل هذا التباين في المقاربات، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المواطنين المتابعين للشأن الاقتصادي: أي من الخطابين يعد الأكثر نفعاً لفهم الواقع الاقتصادي بشكل أعمق؟ هل تفضل متابعة المحلل الذي يقدم تحليلات علمية مدعومة بالبيانات، أم المسؤول الذي يسعى إلى تحقيق التوازن والاستقرار عبر خطابه الحذر والمطمئن؟