الحرية – باسمة إسماعيل:
يحمل استئناف عمل الحقول النفطية المحررة ودخولها مجدداً في دائرة الإنتاج، أبعاداً اقتصادية تتجاوز بعدها التقني إلى أسئلة معيشية واجتماعية ملحة، فعلى الرغم من أهمية استئناف الضخ وتأمين استمرارية الإنتاج، إلا أن الواقع المتردي للبنية التحتية، والحاجة لإعادة التأهيل، يفرضان مقاربة تحليلية تتناول مدى قدرة هذا القطاع على إحداث أثر ملموس في حياة المواطن، وفي أي إطار زمني يمكن لهذا الأثر أن يتحقق.
قطاع استراتيجي لأي تعاف اقتصادي
يشكل قطاع النفط والغاز ركيزة أساسية لأي تعاف اقتصادي، غير أن سنوات التشغيل غير المنهجي، أفضت إلى تآكل كبير في التجهيزات وخطوط النقل والآليات، ما يجعل عودة الحقول خطوة أولى ضمن مسار طويل ومعقد، فالإنتاج الحالي، مهما بلغت أهميته، يبقى محكوماً بقدرة البنية التحتية على الاستجابة، وبحجم الاستثمارات اللازمة لإعادة التأهيل، وهي عوامل تؤثر مباشرة في سرعة تحقيق العائد الاقتصادي المنتظر.
خدمات مستمرة ومستدامة
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي والمدرب الدولي في التنمية البشرية فادي حمد في حديثه لـ “الحرية” أنه رغم كل الظروف الحالية التي مست قطاع النفط والغاز، إلا إن إعادة تطوير هذا القطاع هو عامل أساسي لتطور الإنتاج، والصيانة الدورية لآلات التشغيل هي التي ستسهم في تقديم خدمات مستمرة ومستدامة، نحو عائد يجعل المواطن يشعر فيه من خلال الخدمات والوفرة المقدمة من هذا القطاع، علماً أن حاجة المواطن وعوزه الذي بلغ ذروته، جعل الأحلام مستعجلة في تحقيق الوفرة، وهذا طبيعي، فمن حق الشعب أن يكون ميسور الحال بعد هذه السنين العجاف التي أصابت بلدنا الحبيب.
بين العائد الاقتصادي والأثر الاجتماعي
وتابع حمد: اليوم يجب أن يكون هذا الإنجاز الاقتصادي ملموساً على مختلف قطاعات الحياة للمواطن، ويسهم في خفض فواتير الكهرباء وتوفر وقود الشتاء، وهذا أضعف احتمال من هذا الإنجاز الاقتصادي، حيث يمثلان مؤشراً عملياً على نجاح السياسات المتبعة، مقارنة بحجم التطلعات.
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب من الحكومة العمل على مسارين متوازيين: الأول تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطن، والثاني تطوير القطاع بشكل ازدواجي حقيقي، رغم ضعف البنية التحتية ومحدودية الإنتاج، يجب أن يشعر المواطن بأن هذه الإنجازات تترجم على الواقع المعيشي.
الزمن عامل حاسم في الثقة
وحذر حمد من أن إطالة أمد إعادة التأهيل قد تتحول إلى مجرد عرض للاستثمار، مشيراً إلى مخاوف من أن يأتي العائد الاقتصادي متأخراً وبما لا يحقق الطموح الذي يرجوه المواطن، لافتاً إلى أن استمرار الضغط المعيشي قد يدفع نحو أنماط سلوكية لا تخدم المجتمع، وتسهم في انتشار الفساد والجريمة بوصفها نتاجاً مباشراً للفقر المضني.
رمزية العائد وبناء الانتماء
وفي بعد اجتماعي مواز، بيّن حمد أنه من المفترض أن تكون هناك هدية من الحكومة للمواطن، ولو كانت رمزية من النفط، تجعله يؤمن بأن كل إنتاج على الأرض هو عائد له كمواطن، يعيش في هذا الوطن وواجب عليه الحفاظ على مقدراته وخيراته، ما يعزز الانتماء الوطني ويسهم في خفض ضغط المصروفات على غالبية الأسر الفقيرة، بما يحول العائد النفطي من رقم اقتصادي إلى أثر اجتماعي ملموس.
نجاح العودة مرهون بتحويل الخطط لنتائج ملموسة
تعكس عودة الحقول النفطية إلى الإنتاج فرصة حقيقية لإعادة تفعيل أحد أهم القطاعات الاستراتيجية، إلا أن نجاح هذه العودة يبقى مرهوناً بسرعة تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة، فبين تحديات الزمن، وضعف البنية التحتية، وتطلعات المواطن المتعجلة، تتحدد قيمة هذا التعافي بقدرته على الانتقال من إطار الإنتاج إلى تحسين فعلي ومستدام في الواقع المعيشي.