الحرية ـ بقلم يسرى المصري:
سؤال يتبادر إلى ذهن المواطن السوري بعد عودة حقول النفط والغاز الى الدولة ..ما الذي يفصل بين حقل النفط ومائدة المواطن والجواب ليس أكثر من بضع خطوات لأن تحسّن الإنتاج يعني تحسنًا في إمدادات الوقود، مما يسمح لمخبز الآلي بالعمل 24 ساعة، ويُقلّل اعتماد المخابز على المولّدات الخاصة الباهظة، فينخفض سعر الرغيف. كذلك، استقرار الكهرباء يُقلل من اعتماد المنازل على البطاريات والمولّدات، مما يُوفر ما يصل إلى 30-40% من دخل الأسرة في بعض المناطق. إنه تأثير مضاعف يبدأ من الحقل وينتهي في جيب المواطن.
اليوم بين وهج الأمل الذي تشعّه عوامات النفط في البادية السورية، ودفء البيوت التي تنتظر عودة الكهرباء، تكتب الدولة فصلاً جديداً من فصول الصمود والانتصار. لقد عادت حقولنا النفطية إلى حضن الوطن، حاملة معها وعوداً اقتصادية تلامس حياة كل مواطن، من أقصى الحدود إلى أعمق الريف.
إن عودة هذه الثروة السيادية ليست مجرد أرقام تضاف إلى الجداول الإحصائية، بل هي دماء جديدة تتدفق في شرايين الاقتصاد الوطني. كل برميل يُستخرج اليوم هو شريان حياة لمحطة كهرباء، وقوة دفع لمحرك مصنع، وضمان لاستقرار أسعار السلع الأساسية. لقد بدأت الحلقة الاقتصادية بالدوران، حيث يتحول النفط إلى طاقة، والطاقة إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى أمن وسلام اجتماعي.
إن الرؤية الاقتصادية التي تتبناها الدولة تضع المواطن في قلب المعادلة التنموية. فالعائدات النفطية لن تكون رقماً مجرداً في الموازنة، بل ستتحول إلى مشاريع تنموية ملموسة: محطات توليد تعيد النور إلى المنازل، ودعم للمزارع الذي يحرث أرضه بثقة، وتشجيع للصناعي الذي يعيد إحياء ورشته. إنها فلسفة اقتصادية متكاملة تربط بين استقرار الماكرواقتصاد وتحسين المؤشرات المعيشية الدقيقة.
لقد أدركت الإدارة الجديدة للدولة أن النفط السوري يجب أن يكون قاطرة للتنويع الاقتصادي، لا مصدراً للتبعية. لذلك تُوجَّه الاستثمارات نحو قطاعات إستراتيجية واعدة للزراعة الحديثة التي تعيد لسورية اكتفاءها، والصناعات التحويلية التي تضيف قيمة للمواد الخام، والطاقة المتجددة التي تضمان مستقبلاً نظيفاً للأجيال القادمة. إنه نهج تنموي متوازن يحوّل الموارد إلى نعمة تنموية.
إن آلية الإدارة المتّبعة تعكس رؤية متطورة للحوكمة الاقتصادية. فمنصة الشفافية الرقمية التي أطلقتها الدولة تضمن للمواطن مراقبة كل برميل، وتبعده عن شبهة الفساد. والمجالس الاستشارية تضم خبرات وطنية غنية، والصندوق السيادي سيحمي ثروات الأجيال القادمة. إنها مؤسسات تواكب روح العصر وتحقق أعلى معايير الحوكمة الرشيدة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي أحسنت إدارة مواردها الطبيعية استطاعت تحقيق قفزات تنموية كبرى. وسوريا اليوم، بخبرات أبنائها وإرادتهم الصلبة، تملك كل المقومات لتكون نموذجاً يُحتذى في التحول من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، ومن ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج.
إننا نعيش لحظة تاريخية حيث تلتقي إرادة الدولة بحلم المواطن. فلنكن جميعاً شركاء في هذا التحول الكبير، ولنعمل يدا بيد لتحويل براميل النفط إلى وقود للتنمية، وإلى أمل ملموس لكل أسرة سورية.