الحرية – منال الشرع:
لم تعد المصارف المركزية حول العالم مجرد مؤسسات نقدية مهمتها فقط إصدار النقد وإعداد السياسة النقدية والتحكم بالعرض النقدي وسعر الصرف ومعدلات الفائدة، بل أصبحت تتجه نحو تحقيق الأرباح من استثمارات في أسهم وسندات محلية ودولية آمنة والاستفادة من تذبذب أسعار الذهب والمتاجرة به أحياناً.
من هذا المنطلق، يقترح الدكتور والخبيرالمالي والمصرفي عبد الله قزاز أن يبدأ مصرف سوريا المركزي بشراء الدولار الأمريكي، وبالوقت نفسه أن يبني احتياطياً جيداً من القطع الأجنبي. ولكن كيف؟
يوضح قزاز لـ “الحرية” أنه يمكن لمصرف سوريا المركزي البدء بشراء كميات من الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي بسعر أعلى من سعر السوق، وتوفير الادخار بالقطع الأجنبي بسعر فائدة تفضيلي.
ووفق قزاز، يمكن أن يستعين بالمصارف العامة وفروعها في المحافظات السورية في استقبال طلبات بيع الدولار، وهذا أصبح ممكناً في ظل توفر السيولة من الليرة السورية التي تمت طباعتها مؤخراً.
ويشير قزاز إلى أن هذه الخطوة ليست وليدة هذا اليوم، بل تمت من قبل عندما أصدر مصرف سوريا المركزي سابقاً في عام 2020 قراراً بشراء القطع الأجنبي الناجم عن التصدير ممن يرغب من المصدرين بالسعر التفضيلي البالغ حينها 700 ليرة سورية للدولار الواحد، مضافاً إليه حوافز تشجيعية قدرها 15% مع منحهم الأولوية في تمويل مستورداتهم.
وحسب قزاز، من فوائد تجميع القطع الأجنبي وشرائه والاحتفاظ به تعزيز احتياطي المركزي من القطع الأجنبي، ما يساعد في استقرار الليرة السورية ودعم الاقتصاد بالإضافة إلى ذلك، يشجع هذا الإجراء أصحاب المدخرات بالدولار على تحويل مدخراتهم إلى المصارف العامة، ما يزيد من السيولة النقدية، وبالوقت نفسه يعوّض الفاقد من القطع الأجنبي الذي تم استنزافه خلال سنوات الثورة السورية، إما عبر تمويل العمليات الحربية للنظام المخلوع أو عبر عمليات بيع القطع الأجنبي التي كانت تهدف إلى التحكم بسعر الصرف.
ولكن، يحذر قزاز من أنه يجب على مصرف سوريا المركزي التحكم بمسألة زيادة الطلب على الدولار التي قد تغذي المضاربة وتؤثر سلباً على سعر صرف الليرة مقابل الدولار واليورو، ويؤكد على ضرورة أن تكون العملية محدودة وقصيرة الأجل بحيث لا تسبب ضرراً على سعر الصرف والاقتصاد. كما يجب أن تترافق تلك العملية بـ “تعقيم السيولة الفائضة” في السوق التي سوف تنجم عن عملية شراء الدولار من قبل المركزي، ما يخفف من أثر الضغوط التضخمية إذا زادت كميات الدولار المشتراة بشكل كبير.
بشكل عام، يوضح قزاز أن تأثير سعر شراء الدولار من قبل المركزي على السوق السوداء يعتمد على التوازن بين العرض والطلب، توقعات السوق، وسلوك المتعاملين. فالاستقرار في السوق السوداء يتطلب إدارة دقيقة من قبل المركزي لضمان عدم تفاقم الفجوات السعرية. ويخلص إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تكون مفيدة على المدى القصير لزيادة الاحتياطي، ولكنها قد تخلق تحديات على المدى الطويل إذا لم يتم التعامل معها بحذر. من الضروري مراقبة تأثيرات هذه السياسة على السوق والتضخم لضمان تحقيق الأهداف الاقتصادية المرجوة.