بقلم: يسرى المصري:
يتابع الناس ارتفاع أرقام الذهب الذي يتجاوز حواجز الخيال إلى ٥٣٠٠ دولار للأوقية، يبحثون عن تموضع لمدخراتهم وتحركاتهم في قلب العاصفة الاقتصادية العالمية. في هذا الوقت، يقف الاقتصاد السوري أمام منعطف يتطلب قراءة مليئة بالبصيرة تتجاوز رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. هذا الارتفاع الصاروخي، الذي يتجاوز ٢٠٪ منذ بداية العام، ليس مجرد رقم على شاشات التداول، بل هو جرس إنذار يدعو إلى مراجعة جذرية لثقافتنا المالية. بينما يتحول الذهب إلى شريان حماية فردي، فإن الطريق الحقيقي للخلاص الاقتصادي الجماعي والفردي يكمن في عبور جسر الادخار التقليدي إلى رحابة الاستثمار المنتج.
الكُلُّ ما يزال بحاجة إلى تعلُّمِ الدَّرْسِ الأكبر، وهنا هو أن الاقتصاد السوري، رغم كل التحديات، جزء من نسيج مالي عالمي تتحرك خيوطه بقوى كبرى. هذا الارتباط يجب أن يعلمنا مرونة جديدة: القدرة على تحويل التهديدات العالمية إلى فرص محلية، ليس فقط من خلال الادخار الوقائي، بل من خلال الاستثمار الجريء الذكي. ليست الأزمة سوى دافع لإعادة اختراع أدواتنا الاقتصادية. الذهب، ذلك المعدن القديم، يمكن أن يكون نقطة انطلاق، وليس نقطة نهاية. يمكن أن يكون الرصيد الذي نبدأ منه رحلة الاستثمار، وليس القبر الذي ندفن فيه أحلام النمو.
ثَمَّةَ هَمْسٌ.. نعم، تظل الليرات الذهبية في البيوت “وسادة أمان” قابلة للتحويل، ودرعاً واقياً من تقلبات العملات. كما أن تحول الذهب إلى معيار غير رسمي لتقييم الأصول قد يعيد شيئاً من النظام للسوق. لكن هذه الصورة، رغم صحتها النسبية، تبقى ناقصة وخطيرة إذا اتُّخِذَتْ كمنهجية وحيدة. فالاقتصاد الذي يبني ثروته على شراء وتخزين أصل لا ينتج، أشبه بمحرك يدور في مكانه: قد يحمي من الريح العاتية، لكنه لا يقطع أي ميل نحو الأمام.
لا بد من الوقوف والتبصُّر.. ها هي الفرصة التاريخية بتحويل جزء من هذا التدفق نحو المعدن الأصفر إلى استثمار في أصول تولد ثروة حقيقية. فبينما ينام الذهب في الخزائن، يمكن لرأس المال المغامر أن يبني معملاً صغيراً، يطلق مشروعاً رقمياً، يطور قطعة أرض زراعية، أو يدعم حرفياً ليتحول إلى مصدر. هذا هو التحول من اقتصاد “الكنز” إلى اقتصاد “الدورة”. فقيمة الذهب تنبع من ندرته وسلبيته، بينما تنبع قيمة الاستثمار من قدرته على الخلق والتكاثر وتوفير فرص العمل. لماذا نكتفي بحماية ثروتنا من التآكل، بينما يمكننا تنميتها لتبني مستقبلاً؟
الطريق شائك وليس سالكاً.. ففي خضم الحديث عن المضاربة بالعملات، والتي تجتاح المنطقة كالنار في الهشيم، يجب الوقوف عند حقيقة صارخة: المضاربة ليست استثماراً، بل هي مقامرة عالية المخاطر على تقلبات قد لا يفهمها إلا قلَّة. إنها تسحب السيولة من القنوات المنتجة لترمي بها في ساحات القمار المالية، حيث يربح القليل ويخسر الكثير. إنها تعمق عدم الاستقرار وتغذي فقاعات ستنفجر حتماً، تاركةً وراءها آثاراً اجتماعية واقتصادية مدمرة. الحل لا يكمن في منعها بالقوة فقط، بل في تقديم البديل الجذاب والشفاف: فرص استثمارية حقيقية.
لنوسع دائرة الرؤية.. على الصعيد الكلي، بينما نناقش فرصة نهضة قطاع الصياغة المحلي – وهي فرصة حقيقية بلا شك – يجب أن تكون رؤيتنا أشمل. الارتفاع العالمي في أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم (بما يصل إلى ٦٠٪) هو إشارة سوق صارخة إلى الطلب الصناعي العالمي الجارف. هذا يجب أن يوجه أنظارنا، ليس فقط إلى إعادة تدوير المعادن كفكرة مستقبلية، بل إلى ضرورة إعادة هيكلة أولوياتنا الاقتصادية نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة عالية ودمجنا في سلاسل الإمداد العالمية، ولو على مستوى متواضع في البداية.
لا ينقصنا الإبداع أو الكفاءة.. الاقتصاد السوري قادر على أن يجد في هذه الأمواج العاتية فرصة لتعلم ركوب التيار، لا الغرق فيه. ولكن ركوب التيار يتطلب قارباً من الخشب المتين، لا سبيكة ذهب ثقيلة. القارب هو المشروع الاستثماري، هو المؤسسة الصغيرة، هو الابتكار الزراعي أو التكنولوجي. لنحول جزءاً من ذهبنا إلى بذور، بدلاً من الاكتفاء بحفظه كحصاد أخير. حينها فقط، سننتقل من منطق البقاء إلى فن البناء.