الحرية- لوريس عمران:
تقف الدولة السورية اليوم في مرحلة مفصلية تتطلب الانتقال من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد البناء والنمو، حيث يبرز قطاع الزراعة ليس كنشاط تأميني للغذاء فحسب، بل كمحرك أساسي للنهضة الصناعية والمالية.
وإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استصلاح الأراضي أو زيادة المساحات المزروعة فحسب، بل في كيفية صياغة علاقة عضوية بين الحقل والمصنع، بما يضمن تحويل الثروات الطبيعية الخام إلى قيم مضافة ترفع من مستوى الناتج المحلي الإجمالي. في ظل هذه المعطيات، تصبح الحاجة ملحة لرؤية اقتصادية علمية تربط بين الموارد المتاحة والقدرات التصنيعية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة التصنيع الزراعي على قيادة المرحلة المقبلة.
قطاع الزراعة القاطرة الأكثر أماناً
في هذا السياق أشار الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية الدكتور علي ميا لـ” الحرية” إلى أن الاقتصاد الوطني يمتلك فرصة تاريخية لإعادة هيكلة بنيته الإنتاجية من خلال التركيز على سلاسل القيمة المتكاملة.
وأكد الدكتور ميا أن القيمة المضافة الحقيقية لا تتحقق ببيع المحاصيل الاستراتيجية في صورتها الأولية، بل في القدرة على توطين الصناعات التحويلية التي تجعل من المنتج الزراعي مادة صناعية نصف مصنعة أو نهائية، مبيناً أن هذا التحول هو الكفيل بتوليد فائض مالي حقيقي، وخلق آلاف فرص العمل التي تتناسب مع خبرات المجتمع السوري، ما يساهم بشكل مباشر في رفع مستوى الدخل للفرد وتحسين القوة الشرائية.
ولفت الدكتور ميا إلى أن قطاع الزراعة هو القاطرة الأكثر أماناً واستقراراً لتحقيق النمو الاقتصادي، نظراً لسرعة دوران رأس المال فيه وقدرته على الصمود أمام التقلبات الخارجية، موضحاً أن الربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة الغذائية والنسيجية يمثل الضمانة الأساسية لتحقيق السيادة الاقتصادية، حيث إن تحويل الأقطان إلى منسوجات، والقمح إلى منتجات غذائية متنوعة، يساهم في تقليص فاتورة الاستيراد بشكل كبير، ويدعم استقرار العملة الوطنية عبر تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
هوية تجارية
وفي معرض تحليله الفني أكد الدكتور ميا أن التنوع الحيوي والمناخي في سوريا يمنحها ميزات تنافسية تجعلها مؤهلة لتكون مركزاً إقليمياً للصناعات الغذائية النوعية، لافتاً إلى أن محاصيل مثل زيت الزيتون، والحمضيات، والنباتات الطبية، لا تزال بحاجة إلى استثمارات تكنولوجية في مجالات الفرز، التوضيب، والتعليب لرفع سويتها التصديرية لتلائم المعايير العالمية.
مبيناً أن الاستثمار في البنى التحتية اللوجستية هو ما يمنح المنتج السوري “هوية تجارية” قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، ما يؤدي إلى تدفق العملة الصعبة وتوسيع القاعدة الضريبية للدولة.
كما بين الخبير الاقتصادي أن السياسة الاقتصادية يجب أن تنتهج الانحياز الإنتاجي، عبر تقديم حوافز تشريعية ومالية تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في الأرياف والمناطق المنتجة.
موضحاً أن إنشاء مناطق صناعية تخصصية صغيرة بجوار مراكز الإنتاج الزراعي يساهم في خفض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ويحقق تنمية مكانية متوازنة تمنع الهجرة وتخلق أقطاب نمو محلية مستقرة.
ولفت أيضاً إلى ضرورة التكامل بين البحوث العلمية والقطاع الإنتاجي، مؤكداً أن استخدام التقنيات الحديثة في الري والبذور المحسنة هو استثمار في صلب الأمن القومي، كونه يضمن استدامة الموارد المائية وزيادة الإنتاجية في مواجهة التغيرات المناخية.
مصنع كبير
واختتم الدكتور ميا رؤيته بالتأكيد على أن النهوض بالواقع المعيشي ليس مجرد إجراءات نقدية، بل هو عملية مرتبطة بنيوياً بمدى قدرتنا على تحويل الأرض إلى مصنع كبير.
مشيراً إلى أن النجاح في هذا المسار يتطلب تكاملاً حقيقياً بين القطاعين العام والخاص، وصياغة تشريعات مرنة تحمي الإنتاج الوطني وتدعم تنافسيته، لافتاً إلى أن التحول نحو التصنيع الزراعي هو الطريق الأقصر والأكثر استدامة نحو تعاف اقتصادي شامل يعيد لليرة قيمتها وللمنتج السوري مكانته العالمية.