الحرية- إلهام عثمان:
وسط أجواء اقتصادية صعبة، جاء صدور فاتورة الكهرباء المعدلة ليضيف عبئاً جديداً على كاهل الأسر السورية، ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى جدوى هذه الخطوة وفعّاليتها في معالجة اختلالات القطاع.
ليطرح السؤال نفسه، ما التداعيات المتوقعة والبدائل الممكنة، محاولين الإجابة عن التساؤلات الملحة التي تشغل الرأي العام.
إصلاح جذري أم حلّ سطحي
يرى الخبير الاقتصادي محمد بكر ومن خلال حوار مع “الحرية”، أن معالجة اختلالات قطاع الكهرباء لا ينبغي أن تُختزل في رفع الأسعار فقط، حتى لو كان بشكل تدريجي أو على مراحل، مشيراً إلى وجود حلول جوهرية قد تكون أكثر فاعلية في تقليل الخسائر.
ومن أبرز هذه الحلول -وفق رؤية بكر- تخفيض الفاقد الفني في الشبكات، ومكافحة الاستهلاك غير المُحسوب الناجم عن التعديات على الخطوط، وتعميم تركيب العدادات للمشتركين الذين لا يزالون خارج نظام المحاسبة المباشرة.
ويخلص الخبير إلى أن يكون الإصلاح من جيوب المشتركين فقط، ليس منهجاً صحيحاً ولا عادلاً، لافتاً إلى أن العدالة تقتضي توزيع أعباء الإصلاح على مختلف الأطراف المعنية.
بكر: تخفيض الفاقد الفني في الشبكات ومكافحة الاستهلاك غير المُحسوب الناجم عن التعديات على الخطوط
الميزانية تحت الضغط
وعند التطرق إلى الأثر الاجتماعي، يصف بكر الميزانية الأسرية بأنها مثقلة بالأصل ولا تتحمل أي نفقات إضافية، ويشدد على ضرورة الموازنة بين مستويات الدخل الثابتة ومتطلبات المعيشة، وهي معادلة يعتقد أنها ليست خافية على الجهات المعنية، وبتحليل واقعي، يوضح أن متوسط الدخل الشهري لفئة واسعة من السوريين لا يتجاوز مئة دولار، وهو مبلغ لا يكفي –حسب قوله– لتغطية نفقات الأساسيات لأيام محدودة، فكيف الحال مع إضافة أعباء جديدة؟
ويتساءل بكر عن السُبل التي سيلجأ إليها المواطن تحت وطأة هذه الضغوط، في ظل بطالة مرتفعة ورواتب متدنية وأسعار متعاظمة، ما يثير تساؤلات حول التداعيات الاجتماعية المحتملة.
خدمة ناقصة بسعر متصاعد
وعن الإشكالية المنطقية التي يطرحها كثيرون وهي ما العلاقة بين رفع سعر خدمة لا تُقدَّم بشكل منتظم أو كافٍ، وبين قدرة المواطن على تحمل الكلفة؟ يجيب الخبير بأنه لا يوجد مبرر اقتصادي لهذا الربط، معتبراً أن القرار يفتقر إلى الدراسات الكافية.
ويطرح بكر احتمالين: إما أن يكون القرار خارج الإطار المحلي، أو أنه يمثل شرطاً من شروط مؤسسات تمويل دولية ضمن حزمة إصلاح تشمل رفع الدعم عن سلع وخدمات أساسية.
تضخم جامح
ويحذر الخبير من أن النتيجة المتوقعة بأنها ستكون مزيداً من ارتفاع معدلات التضخم، مع إمكانية الوصول إلى “تضخم جامح” يقود إلى تآكل القدرة الشرائية ويدفع الاقتصاد نحو الركود، ما قد يدفع الاستثمارات المحلية والأجنبية إلى الانسحاب.
تحريك عجلة الاقتصاد شرط أولي
في محاولة لتقديم حل عملي، يرسم بكر خريطة طريق مقترحة، مؤكداً أن إصلاح قطاع الطاقة يجب ألا يتم على حساب المواطن المتعب أصلاً، ويرى أن أي قرار بمراجعة الأسعار يجب أن يسبقه تحسين ملموس في الدخل، لضمان المحافظة على مستوى مقبول للقدرة الشرائية.
الأولوية يجب أن تكون لتحفيز الاقتصاد الحقيقي قبل اللجوء إلى إجراءات قد ترهق الفئات الهشة
خطوات قد تكون المنقذ
ويحدد الخبير ثلاث خطوات عملية رئيسية، تبدأ بتفعيل برامج إعادة الإعمار عبر مشاريع إسكانية وتنموية كبرى، تجذب استثمارات كبيرة وتخلق فرص عمل واسعة، وإعادة إحياء القطاع الزراعي عبر دعم المزارعين وتوفير مستلزمات الإنتاج، لتعزيز الأمن الغذائي، وإيلاء القطاع الصناعي الأولوية اللازمة، كونه محركاً رئيسياً للنمو وقادراً على استيعاب الخبرات وتشغيل قطاعات خدمية مترابطة.
وأنه عندما تدور عجلة الاقتصاد وتتحسن القدرة الشرائية، يمكن عندها البدء بمراجعة دعم الكهرباء بشكل تدريجي، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لتحفيز الاقتصاد الحقيقي قبل اللجوء إلى إجراءات قد ترهق الفئات الهشة.
صلب الأولويات
يترك قرار رفع تعرفة الكهرباء أسئلة أكبر من إجاباتها، في وقت يبدو أن الهامش المعيشي للمواطن قد تضاءل إلى الحد الأدنى، بين حجج الإصلاح المالي وواقع الضغوط المعيشية، تبرز الحاجة إلى رؤية متوازنة تضع الاستقرار الاجتماعي في صلب أولوياتها، وتعيد ترتيب الخيارات بما يحقق الإنعاش الاقتصادي دون كسر ظهر المواطن، في معادلة دقيقة تحتاج إلى حكمة وصبر وإرادة سياسية جامعة.