الحرية- رشا عيسى:
يفرض الواقع الاقتصادي السوري نفسه اليوم كسؤال مفتوح على كل الاحتمالات، بين اقتصاد أنهكته سنوات من إدارة الأزمات، وفرصة جديدة لإعادة بناء نموذج تنموي جديد أكثر عدالة وإنتاجية، ففي ظل تراجع جدوى المعالجات الجزئية، يبرز عام 2026 كعام مفصلي لا يقاس بحجم التحديات فقط، بل بمدى القدرة على الانتقال من منطق الاستجابة المؤقتة إلى إصلاح بنيوي شامل، كما يراه الخبير الاقتصادي والاستراتيجي الدكتور هشام خياط، الذي يؤكد لـ”الحرية” أن الإدارة الرشيدة، والاستقرار المعيشي، والتحول نحو اقتصاد إنتاجي مدعوم بالتكنولوجيا تشكّل ركائز أي مسار تعافٍ حقيقي ومستدام. 
ويرى خياط أن عام 2026 يشكّل محطة مفصلية لإعادة صياغة المسار الاقتصادي السوري، ليس من زاوية التعافي الظرفي، بل من زاوية الإصلاح البنيوي الشامل الذي يعيد تعريف دور الدولة، وآليات السوق، والعلاقة بين الإدارة والعدالة الاجتماعية والإنتاج.
تحوّل في الوعي الاقتصادي
تُظهر القراءات الميدانية، ونتائج استطلاعات الرأي داخل الأوساط الاقتصادية، أن هناك تحولاً نوعياً في الوعي الاقتصادي السوري، لم تعد الأولويات محصورة في تثبيت سعر صرف، أو زيادة دعم، أو ضخ سيولة إسعافية، بل انتقلت إلى أسئلة أعمق تتعلق بـكيفية إدارة الموارد العامة، وآليات توزيع آثار النمو، وشروط بناء اقتصاد منتج وقادر على الصمود.
ويعتبر الدكتور خياط أن هذا التحول في المزاج العام يشكّل فرصة نادرة، لأن الإصلاحات البنيوية لا يمكن أن تنجح دون حاضنة فكرية واقتصادية تدرك ضرورتها، حتى وإن كانت كلفتها السياسية والاجتماعية مرتفعة على المدى القصير.
الإدارة والحوكمة
يضع خياط الخلل الإداري والمؤسسي في صلب الأزمة الاقتصادية، معتبراً أن ضعف الأداء الاقتصادي هو في جوهره ضعف في إدارة السياسات لا في نقص الإمكانات، فالمشكلة الأساسية تتجلى في تفكك القرار الاقتصادي، وتنازع الصلاحيات بين المؤسسات، وغياب مؤشرات قياس الأثر الاقتصادي للسياسات العامة.
ومن هنا، فإن أي إصلاح جدي –برأي الدكتور خياط– يجب أن يبدأ بإعادة تعريف دور الدولة الاقتصادي، عبر الانتقال من نموذج التدخل المباشر في النشاطات، إلى نموذج الدولة المنظِّمة التي تضع السياسات، وتراقب الأداء، وتضمن المنافسة العادلة، وتفعّل أدوات الشفافية والمساءلة.
العدالة المعيشية
يُحذّر خياط من التعامل مع الملف المعيشي كقضية اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد الكلي، مؤكداً أن الاستقرار المعيشي شرط أساسي لأي نمو اقتصادي مستدام، فالضغط المستمر على الدخول يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، وانكماش الطلب المحلي، وإضعاف الثقة بأي مسار إصلاحي.
ويرى خياط أن السياسات التقليدية للدعم لم تعد قادرة على معالجة الخلل، بل باتت في بعض الحالات جزءاً منه، داعياً إلى مقاربة متكاملة تربط بين الأجور والإنتاجية، والحماية الاجتماعية وسوق العمل، وتوجيه الدعم نحو القطاعات المنتجة بدل دعم الاستهلاك غير الكفوء.
التكنولوجيا كرافعة لا كقطاع
في تشخيصه لبنية الاقتصاد السوري، يرى خياط أن استمرار الاعتماد على نموذج استهلاكي هش يجعل أي تحسن عرضة للانتكاس، ومن هنا يطرح التحول نحو اقتصاد إنتاجي مدعوم بالتكنولوجيا كخيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل.
ويؤكد أن التكنولوجيا لا يجب أن تُفهم كقطاع مستقل، بل كأداة لرفع كفاءة القطاعات التقليدية، من الزراعة والصناعة إلى الخدمات والإدارة العامة، غير أن هذا التحول –كما يشدد خياط– يتطلب استثماراً جدياً في رأس المال البشري، وإعادة ربط التعليم بسوق العمل، وبيئة تنظيمية مرنة تشجع الابتكار وريادة الأعمال، وهي شروط أساسية لوقف نزيف الكفاءات واستيعاب الطاقات الشابة داخل دورة إنتاجية حقيقية.
رهان المرونة والانتشار
يمنح خياط المنشآت الصغيرة والمتوسطة موقعاً محورياً في أي رؤية للتعافي، معتبراً أنها العمود الفقري للاقتصادات القادرة على امتصاص الصدمات، فهذه المنشآت بما تمتلكه من مرونة وانتشار جغرافي، قادرة على خلق فرص عمل سريعة وربط الإنتاج المحلي بسلاسل قيمة أوسع.
غير أن دعم هذا القطاع –حسب خياط– لا يجب أن يكون عبر سياسات عامة فضفاضة، بل من خلال تمكين موجه يشمل، تسهيل الوصول إلى التمويل، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإنشاء حاضنات أعمال متخصصة، وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الإقليمية.
معادلة التوازن الصعب
في ملف الاستثمار، يرفض خياط الطروحات التبسيطية التي تضع السيادة الاقتصادية في مواجهة الاستثمار الخارجي، معتبراً أن المشكلة ليست في الاستثمار بحد ذاته، بل في غياب أطر قانونية وتنظيمية واضحة تضمن شراكات متوازنة ومنفعة متبادلة.
ويشير إلى أن تطوير نماذج شراكة ذكية مع القطاع الخاص، إلى جانب إدارة أكثر كفاءة للأصول العامة، يمكن أن يشكّل رافعة حقيقية لرفع الناتج المحلي وتحقيق نمو طويل الأمد، دون التفريط بالمصالح الاستراتيجية.
الاقتصاد غير المرئي
يلفت خياط إلى أن بعض القطاعات ذات الأثر الواسع ما تزال تُعامل كملفات خدمية، في حين أنها تمتلك طاقة تنموية كبيرة.
فالريف إذا أُعيد دمجه في الدورة الاقتصادية، والإسكان إذا نُظر إليه كقطاع إنتاجي، يمكن أن يخلقا سلاسل تشغيل وطلب واسعة.
وفي العمق، يؤكد أن أي إصلاح اقتصادي لن ينجح دون إصلاح مؤسسي يطول الجهاز البشري نفسه، من حيث آليات التعيين، والتدريب والتأهيل، ومكافحة الهدر والمحسوبيات.
فرصة مشروطة بإرادة الإصلاح
يؤكد الدكتور خياط أن الاقتصاد السوري يمتلك فرص تعافٍ حقيقية، لكن هذه الفرص مشروطة بالانتقال من منطق المعالجات المؤقتة إلى رؤية إصلاحية شاملة، متدرجة، وقابلة للتنفيذ، تقوم على الإدارة الرشيدة، والعدالة الاقتصادية، والتحول الإنتاجي، وبناء الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين.
وهي رؤية تتقاطع مع نتائج ورقة السياسات التي أعدّتها الجمعية السورية لمستشاري الإدارة حول أولويات الاقتصاد السوري لعام 2026، والتي عكست ميلاً واضحاً نحو إصلاح بنيوي شامل، باعتباره الخيار الوحيد القادر على إخراج الاقتصاد من حلقة التآكل البطيء إلى مسار التعافي المستدام.