الحرية– عمران محفوض:
أصبحت الكهرباء حديث الساعة بين السوريين؛ في المنزل ووسائل النقل؛ داخل المعامل والمحلات التجارية، الجميع في حالة ترقب؛ كلٌّ يريد معرفة قيمة فاتورته القادمة؛ فالحالة المادية ضعيفة والراتب لا يكفي أكثر من ثمن للخبز وأجور نقل؛ فمن أين يأتي الموظف بمليون ليرة إضافية لدفع فاتورة الكهرباء؟
ربما المسألة عامة مع انتشار حالات الفقر المدقع بين المواطنين، إلا أن الموظفين ومعدومي الدخل هم الأكثر تأثراً بقرار رفع أسعار الكهرباء وتبعاته السلبية على القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية والاستهلاكية كافة.
رغم ذلك يبقى المستهلك هو أول وآخر حلقة متضررة من التعرفة الجديدة للكهرباء، أو لنقل أنه سيدفع الثمن مضاعفاً؛ مرة عن استهلاكه المنزلي، والثانية بعد قيام المنتجين والتجار بتمرير نفقات الطاقة المتزايدة إليه في شكل أسعار أعلى.
وللتوضيح يمكننا القول: إن التأثيرات المتموجة لرفع تعرفة الكهرباء متعددة الأوجه، ومتتابعة المفاعيل عبر حلقات الإنتاج والبيع والاستهلاك وفق التالي:
– تواجه الأسر ارتفاعاً في فواتير الكهرباء، ويمكن أن يؤدي انخفاض دخلها المتاح إلى تراجع الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.
– قد تشهد الصناعات التي تعتمد على استهلاك الكهرباء ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الإنتاج، ما يدفع المنتجين إلى رفع أسعار منتجاتهم للمحافظة على مستويات أرباحهم، بالمقابل يقلل هذا الإجراء من الميزات التنافسية للسلع الوطنية أمام مثيلاتها المستوردة، ويزيد من احتمالات توجه المستهلكين إلى شراء المنتجات الأجنبية الأرخص.
– تكاليف الطاقة المرتفعة تجعل الصادرات السورية أقل قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، حيث يختار المستهلكون الأجانب منتجات أرخص واردة من الدول ذات النفقات الأقل للطاقة.
– يمكن أن يؤثر ارتفاع تكاليف الطاقة على قرارات المستثمرين، مع احتمال قيام الشركات بتأخير أو إلغاء المشروعات مرتفعة التكاليف، ولاحقاً سوف يكون لذلك تأثير غير مباشر على توفير فرص العمل والتوسع الإنتاجي والاقتصادي.
– تدفع أسعار الكهرباء الحالية أصحاب المنشآت السياحية إلى رفع أجور الخدمات المقدمة ما يؤثر على أعداد السياح العرب والأجانب، وقد يدفع معظمهم إلى عدم القدوم في الموسم التالي؛ أو تغيير وجهة سياحتهم إلى البلد الأرخص سعرياً، والأخفض إنفاقاً.
وكي لا تتهمنا وزارة الطاقة بأننا نظرنا إلى النصف الفارغ من الكأس؛ نشير إلى الجوانب الإيجابية من وراء رفع تعرفة الكهرباء، حيث يمكن أن يؤدي تصاعد تكاليف الطاقة التقليدية إلى ..
– تسريع عملية التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ومن الممكن أن يحفز هذا التحول الابتكار والاستثمار في التقنيات الخضراء، ما يوجد صناعات جديدة، ويوفر فرص عمل إضافية.
– ترشيد الاستهلاك عبر استخدام تقنيات الطاقة الذكية في الإضاءة والأجهزة المنزلية، إضافة إلى إدخال هذه التقنيات في المصانع وأسواق البيع والشراء.
– تحقيق معايير إضافية للبيئة النظيفة عبر استخدام المصادر الطبيعية المتجددة في توليد الكهرباء، وتشغيل خطوط الإنتاج وإنارة المؤسسات الخدمية والمراكز التسويقية المتنوعة.
وبين كثرة سلبيات قرار رفع أسعار الكهرباء، وقلة إيجابياته لابد من تأكيد أهمية الموازنة بينها وبين الأوضاع المعيشية للمواطنين من خلال قيام المؤسسات المعنية بتهيئة البنية التحتية والتقنية والتشريعية الملائمة لتحقيق هذا التوافق على الصعيدين الفردي والمؤسساتي، وفي ذلك فقط يمكن أن يحصد هذا القرار درجة عالية من الرضا العام، ويحظى بالاحتضان الشعبي.