“آمال”… مشروع سوري يعيد تعريف الدراما البصرية بين الواقع والخيال

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية –ميسون شباني:

يواصل المشروع الفني السوري “آمال” تصوير لوحاته الدرامية، مقدّماً تجربة بصرية مختلفة تنبع من عمق الواقع السوري وأسئلته الشائكة، وتسعى إلى تفكيكه عبر لغة رمزية وسينمائية تتجاوز الأشكال الدرامية التقليدية. ويأتي المشروع بوصفه باكورة إنتاجات شركة “رواق”، التي تراهن على الشراكة الفكرية والإنسانية، وتضع المحتوى النوعي في مقدمة أولوياتها.
ينطلق “آمال” من قناعة بأن الفن قادر على فتح مساحات أمل حتى في أكثر اللحظات قسوة، عبر أعمال لا تعتمد على السرد الخطي أو الخطاب المباشر، بل على الصورة والرمز والكوميديا السوداء بوصفها أدوات أساسية لبناء المعنى، مع ترك مساحة واسعة لتفاعل المتلقي وتأويله الشخصي.
ويرى الكاتب والمخرج نضال قوشحة أن تسمية المشروع جاءت استلهاماً من واقع مثقل بالضجيج والتحديات، حيث تنبع الأفكار من مشكلات معيشة وحياتية متجذّرة، لكنها تتجه في النهاية نحو البحث عن الأمل بوصفه حالة إنسانية ضرورية للاستمرار.
ورغم تواضع الإمكانات الإنتاجية، يحمل المشروع طموحات فنية كبيرة، إذ يعتمد في جوهره على لغة سينمائية خالصة في الصورة والإيقاع والسيمياء البصرية، مع حضور لافت للكوميديا السوداء المستلهمة من روح محمد الماغوط وزكريا تامر.

*لوحات مستقلة ورؤية واحدة

يتكوّن مشروع “آمال” من لوحات قصيرة مستقلة موضوعياً، لكنها مترابطة فكرياً، تشكّل معاً خريطة شعورية لحالة الإنسان السوري في سياق اجتماعي وسياسي ضاغط.
في محطته الأولى، يقدّم العمل صورة للمواطن البسيط في مواجهة التناقض بين الخطاب الإعلامي والواقع المعيشي القاسي.
أما المحطة الثانية، بعنوان “عايش ميت”، فتتناول حالة الإنسان المحاصر بين الفعل والجمود، والحضور والغياب الداخلي، مع اعتماد مكثف على اللغة الجسدية وتقليل الحوار لصالح الصورة والدلالة.

*فنون القتال السورية… الكوميديا كمساحة للخيال

تشكّل المحطة الثالثة من المشروع، بعنوان “فنون القتال السورية” انعطافة مختلفة في المزاج العام للسلسلة. الفيلم القصير، من تأليف وائل يوسف وإخراج نضال قوشحة، وبطولة باسل فتال وحازم البخاري، يمزج بين الكوميديا السوداء والطرح الرمزي، في حكاية افتراضية ساخرة عن الهوية والطموح وإمكانية توليد القوة من الهامش اليومي.
يروي الفيلم قصة بطل سوري خبير في فنون القتال، يعيش حالة من الإحباط لغياب أي هوية قتالية سورية أو عربية على الساحة العالمية، حيث تبدو مفاهيم القوة والانتصار حكراً على مدارس شرق آسيا. وبعد يوم طويل من التدريب، يغفو البطل ليظهر له في حلم حكيم صيني، يدخل معه في حوار وجودي يقوده إلى فكرة محورية: إن ولادة أي فن قتالي حقيقي لا تأتي من القاعات المغلقة، بل من الشارع، ومن الحياة اليومية، ومن فهم المجتمع وإيقاعه.
ويقدّم الفيلم معالجة كوميدية افتراضية تحتفي بالخيال بوصفه أداة للتغيير، وتطرح سؤالاً عميقاً حول القدرة على تحويل الواقع القاسي إلى مصدر إبداع وقوة وهوية، خصوصاً لدى فئة الشباب.

شخصيات بسيطة وقريبة من الناس

يؤكد الممثل باسل فتال أن الشخصية التي يجسّدها تنطلق من بساطة وعفوية، وتحمل رغبة حقيقية في صناعة شيء مختلف، لكنها تصطدم بحدود الواقع وقلة الإمكانات، ما يمنح الكوميديا بعدها الإنساني القريب من الجمهور.
في حين يجسّد حازم البخاري شخصية “الحكيم”، بوصفها شخصية رمزية تؤدي دور الموجّه والناصح، وتفتح أمام البطل أسئلة تتعلق بالهوية والخيارات الممكنة، ضمن سياق ساخر ينسجم مع الطابع العام للفيلم.

رؤية إنتاجية مرنة ومحتوى غير نمطي

يوضح المنتج والكاتب وائل يوسف أن مشروع “آمال” يقوم على رؤية فنية وإنتاجية تهدف إلى التنوع البصري والسردي، ومخاطبة شرائح واسعة من الجمهور دون الوقوع في نمط واحد. ويراهن المشروع على التحولات التكنولوجية وانخفاض تكاليف الإنتاج لإتاحة الفرصة أمام المواهب السورية غير المستهلكة إعلامياً، مع إعطاء الأولوية للإبداع والانسجام مع رؤية العمل، بعيداً عن شروط النجومية التقليدية.

تجربة مفتوحة على التأويل

لا يقدّم “آمال” سردًا درامياً تقليدياً، ولا يسعى إلى إعادة إنتاج قوالب مألوفة، بل يطرح نفسه كتجربة فنية مفتوحة، تتعامل مع الذاكرة القريبة، والتناقض بين الخطاب والواقع، وحالة الإنسان السوري بين الوهم والاستسلام.
وبهذا المعنى، لا يبدو المشروع مجرد سلسلة درامية قصيرة، بل محاولة جادّة لإعادة تعريف مفهوم السينما التلفزيونية السورية، عبر لغة بصرية مبتكرة، وكوميديا سوداء راقية، ورغبة صادقة في فتح نوافذ أمل، ولو عبر الفن والخيال.

Leave a Comment
آخر الأخبار