الحرية- لبنى شاكر:
افتتح معرض دمشق الدولي للكتاب أُولى دوراته بعد تحرير البلاد، مُحاطاً بالكثير من التساؤلات، التي تتجاوز الفكرة التقليدية عن تكديس العناوين، نحو قدرة القراءة على أن تقود عملية الترميم الكبرى، بعد سنوات طويلة اعتدنا خلالها أن نقرأ ما يُسمح لنا بقراءته، تماماً كما يُريد لنا الرقيب على المُخيلة السورية. ليأتي السؤال الراهن: كيف يمكن للقراءة أن تُرمم ما أفسدته سنوات الصمت الأمني في عقولنا، الصمت عن التفكير النقدي واعتياد العقل الجمعي على استهلاك المسموح فقط؟.
على هامش المعرض، التقينا الشاعر نادر القاسم، عضو رابطة الكتّاب السوريين، وصاحب المجموعة الشعرية “ساعة متوقفة في البورغ” الصادرة عن دار سامح للنشر في السويد، والمُتاحة في المعرض حالياً، وفي رصيده أيضاً “مزهرية في بحر كوبنهاجن” و”زاوية الرؤية المائلة” باللغة الدنماركية، والذي فتح أفقاً واسعاً للإجابة على سؤالنا، مؤكداً أن القراءة هي الرافعة الأساسية لمجتمع سوري عانى ما عاناه.
يقول لـ “الحرية: “إن بوابة نظرية المعرفة هي القراءة، حيث ينتقل المرء من خلالها لعوالم من الدهشة والفضول المعرفي، فكلما زادت معرفة الإنسان وثقافته، زادت معرفته لذاته وموقعه من الآخرين. وهذا على المستوى الشخصي، وبذات اللحظة وبطريقة أقرب للتداعي، يعرف موقع مجتمعه من خارطة العالم المعرفي، وقد تكون هي من أهم الروافع التي يحتاجها المجتمع السوري الخارج للتو من أطول ثورة عرفتها البشرية، ضد نظام لم يعرف التاريخ له مثيل بوحشيته وإجرامه”.
ولا يكتفي مُؤلف ديواني “العشب القريب من الشاهدة” و”رجل يحضن شمال العالم”، بتوصيف القراءة كفعلٍ ذهني، بل يربطها بالبعد السلوكي والوطني، مشيراً إلى أن قياس تحضر الأمم يمرّ حتماً عبر أرقام الإصدارات والدوريات، وهي المساحة التي ظلت لسنوات طويلة معتمة في سوريا بفعل هيمنة اللون الواحد. مضيفاً في هذا الصدد: “الأهم من كل ذلك أن تنتقل القراءة لحالة سلوك يومي وتكون في صلب حالة ثقافية تقدس وتدعم الكتاب، فمنسوب ثقافة الأمم والبعد المعرفي فيها يُقاس بعدد الإصدارات السنوية. وما أحوجنا كمجتمع سوري الآن لترميم سنوات كثيرة من عتمة اللون الواحد في كل مناحي حياتنا، حيث ظِل الديكتاتور في كل مكان”.
أما أخطر ما يطرحه الشاعر في رؤيته، هو تلك الرقابة التي لم تعد تأتي من الخارج فقط، بل سكنت العقول وشلّت الإبداع. لذا، يرى أن الحل يكمن في خلق حالة نقدية دائمة تضع كل شيء تحت المجهر، وهي عملية تراكمية تبدأ من مقاعد الدراسة الأولى.
ويختتم القاسم بالقول: “المسألة ليست سهلة، ولو أنها تبدو على المستوى الفردي في متناول اليد، ولكن بالنسبة للمجتمع فهي بحاجة لسنوات من التراكم التربوي والثقافي. وهنا قد يكون من المفيد بدء هذا الأمر في المراحل التعليمية الأولى كي نخلق جيلاً جديداً يكون العقل النقدي حاضراً فيه بقوة، وهذا ما سينعكس لاحقاً على المجتمع المدني الذي يرفد الحياة بالمبدعين، ويكون الكتاب رفيق درب وحلماً لا ينتهي من الطفولة حتى آخر العمر”.