الحرية- علي الرّاعي:
سألته: أمسى مخزون التجربة لديك اليوم يزيد على العشرة كتب في القصة والشعر والنقد، وبعضها، كنتَ أصدرته على حسابك الشخصي، فلم لا تُقيم “حفلات” لتوقيع أحدها، لترد على الأقل جزءاً يسيراً من تكاليف الطباعة ؟!
بهدوئه المعهود؛ أجابني: “ذلك يعود لأكثر من سبب، فأنا بطبيعتي أخجل، عندما تتعلق المسألة بالأمور المالية، فما بالك عندما يكون الأمر أقرب لإحراج الأصدقاء، وإذا لم يكن كذلك، فهو أحياناً يكون من باب “البرستيج” وهذا ما لا أطيقه أيضاً.”
مثل صديقنا هذا؛ لا شك يوجد الكثير الذين ابتعدوا عن هذا “التقليد الثقافي” لأهم سببين كما يرددون دائماً، وهو أن المسألة تأتي إمّا “إحراجاً” مغلفاً بالثقافة، أو هو نوع من البطر الثقافي و”البرستيج” حيث يُنفق لأجل هذا “العرس الثقافي” ما يُمكن أن يطبع خمسين كتاباً إن لم يكن مئة، وذلك عندما يُحجز لمثل هذه الحفلات “قاعات الشرف” في الفنادق الفخمة.
رأي مُفارق
لكن في المقابل ثمة من يُفارق هذا الرأي، لاسيما من هؤلاء الذين يرون: “أن حفلات توقيع الكتب وإن كانت ليست تقليداً عربياً في الأصل، بل هي تقليد مكتسب، غير أنه تقليد جيد بصورةٍ عامة، لأن توقيع الكتاب فيه إشهار لهذا الكتاب أو ذاك، ولعنوانه، ولمؤلفه حتى وإن كان هذا المؤلف معروفاً.”، ويُضيف شاعر ومترجم مثل ثائر زهر الدين: كما أن فيه – حفل التوقيع – متعة أيضاً لأن المتلقي سيكون سعيداً بأن المؤلف نفسه هو من وقّعَ الكتاب له، وحينها سيختلف التعامل مع مضمون الكتاب، فالمتلقي التقى المؤلف وحدّثه ورأه؛ ومن ثمّ فإن اجتماع هذه الأمور معاً يحفّز مقتني الكتاب على قرأته.
وفي نقطة الحديث عن عالمية هذه الظاهرة، وانتشارها في بقاع شتى من العالم. يؤكد القاص والمترجم أيضاً مالك صقور: “إنّ لحفلات توقيع الكتب دوراً مهماً في تحفيز كلٍّ من القارئ والكاتب، وأثر بارز في التعريف بالكتّاب الجدد، وخاصة الشباب منهم.”
رأي ثالث
فيما يرى بعضٌ ثالث: “إنّ حفلات توقيع الكتب تأتي كالذكرى السعيدة التي تُضاف إلى مخزون ذاكرة أي كاتب، فيحتفظ بها معه أينما حلَّ وارتحل”.. وذلك لما لهذه الظاهرة الإيجابية من إسهام عميق في الترويج للكتاب، وتسليط الضوء عليه، وعلى الجديد منه في ميدان النشر، وإغناء الحياة الثقافية في البلد الذي تُقام فيه، إلى جانب أنها عُرف عالمي معتمد ومرافق لمعارض الكتب في شتى أرجاء المعمورة.
إن حفلات التوقيع – كما يرها القاص والمترجم حسام الدين خضور – لها دور أيضاً في بث الشعور بجدية المسألة لدى القارئ والكاتب، كما أنها تدفع الكاتب إلى مساءلة نفسه فيما يخص جدارة منتجه الأدبي، وهل استحق الأضواء التي سُلطت عليه، ما يخلق نوعاً من المسؤولية، والحرص لدى الكاتب على العناية فيما يقدمه.
عودة على بدء
وفي العودة للرأي الأول؛ فإنّ تأمل لحفلات التوقيع هذه؛ يُمكن “للمتأمل” تسجيل الكثير من الإشارات والملامح لطبيعة هذه “الحفلات”.. لعلّ أبرزها إنها أحياناً تكون لكتّابٍ شباب، أغلبهم يُصدر نتاجه الإبداعي للمرة الأولى.. بمعنى أنّ الكاتب لم يُصبح بعد معروفاً ولم يتكرس اسمه في المشهد الثقافي.. فالعرف من “حفل توقيع الكتاب” أن يكون الإصدار لكاتب له تجربته الطويلة في الكتابة، وقد أمسى اليوم “نجماً” وله الكثير من المُعجبين والمُتابعين الذين يتوقون للتواصل والحوار معه وتبادل الآراء في الكثير من القضايا، ومن ثمّ التعرف عليه عن قرب.. هذا التعارف الذي “يُختم” بتوقيعه على كتابه الجديد الذي يُفترض أن قارئه قد اقتناه خلال حفل التوقيع..
في مشهد مُغاير
لكن وفي مشهد آخر مُغاير، هو ما يقوم به البعض من الكتّاب الذين استطاعوا أن يُشكلوا رقماً مُخيفاً في عدد الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي، كما استطاعوا أن يُحققوا ما يسمى باقتصاد جذب الانتباه Attention economy، وهو كما يُعرفه الاقتصاديون “الاقتصاد الذي يتكسّب فيه الناس من خلال قدرتهم على جذب انتباه الآخرين، فيقاس نجاحهم، ومن ثمّ مكاسبهم المالية بمدى اهتمام الناس أو انتباههم لفحوى ما يكتبون.. وهو ما حققه الكثير من الشعراء والروائيين شباب وشابات حتى لكتابهم الأول، وبرقمٍ قياسي، كما فعلت إحدى الشاعرات يوماً، حيث أكدت من خلال حفلات التوقيع أن الشعر قد “يُطعم خبزاً” وكان الظن غير ذلك، عندما راحت تُقيم حفلات التوقيع المتنقلة بلا هوادة لمجموعتها الشعرية الأولى في مختلف المناطق والمحافظات السورية.
ونختم؛ إن معرض دمشق للكتاب الذي يُقام على أرض مدينة المعارض يشهد هذه الأيام عشرات من حفلات توقيع الكتب تقيمها دور النشر المشاركة التي وصل عددها لخمسمئة دار، تُقيمها لكتّابها على مدى أيام المعرض العشرة الممتدة من (6 – 16) شهر شباط الجاري.