الحرية – نهلة أبو تك:
وسط التحديات الاقتصادية الكبيرة، يبرز الاستثمار العربي والأجنبي كأحد الحلول الأساسية لإعادة تحريك السوق السورية وتعزيز التنمية، السؤال الأساسي الآن ليس حول جدوى هذه الاستثمارات، بل حول كيفية توجيهها بطريقة تحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً ملموساً للمواطن السوري.
الاستثمار المؤثر كخيار استراتيجي
في هذا السياق، يؤكد د. محمد زريق فرحات، خبير دراسات الجدوى الاقتصادية، أهمية مفهوم الاستثمار المؤثر (Impact Investing)، وهو الاستثمار الذي لا يركز فقط على العائد المالي، بل على تحقيق أثر اجتماعي مستدام يعزز الرفاه والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
مضيفاً: “سوريا لا تحتاج اليوم إلى تدفقات رأسمالية عابرة، بل إلى استثمارات مصممة لتكون جزءاً من مشروع تنموي طويل الأمد يوازن بين الربحية والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية”،
بحسب فرحات، الاستثمار المؤثر يندمج ضمن منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الحكومة كمنظم وميسر، والقطاع الخاص المحلي كمشغّل، والمستثمر الأجنبي كمصدر لرأس المال والخبرة، إضافة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لسلاسل القيمة.
من المشاريع الفردية إلى منظومات اقتصادية متكاملة
كما أكد فرحات أن النهوض الاقتصادي لا يتحقق عبر جذب مستثمر واحد كبير فقط، بل عبر بناء بيئة صناعية متماسكة قادرة على توليد قيمة مضافة مستمرة، فمشاريع البنية التحتية والسكن ليست مجرد إنشاءات، بل محركات لمنظومة اقتصادية واسعة تشمل المقاول المحلي، والعمالة الوطنية، والتمويل المصرفي، وشركات مواد البناء والمصالح العقارية، وشركات الوساطة والصيانة والأمن وغيرها.
“تنسيق هذه الأطراف ضمن منظومة متكاملة يحول الاستثمار من مبادرات متفرقة إلى صناعة اقتصادية متماسكة، ويزيد من كفاءة الاقتصاد ويقلل من هشاشته”، موضحاً أن الثقة أساس البداية، والاستثمار في سوريا يبدأ من الثقة بالسوق السورية رغم غياب المقومات المثالية للاستثمار التقليدي.
“قد لا تتفق الأدبيات الاقتصادية مع واقعنا، إذ يفضل الكثيرون انتظار اكتمال مقومات الأمان والبنية التحتية والاستقرار الكامل، لكن الاستثمار الآن يمكن أن يكون رسالة استراتيجية ومالية في الوقت نفسه، ويفتح المجال لمستثمرين آخرين لاحقاً.”
الأولويات من البنية التحتية إلى دعم الأسر المحتاجة
وفق فرحات، الأولويات الاستثمارية يجب أن تكون واضحة ومباشرة مشاريع البنية التحتية الأساسية ومشاريع السكن، خصوصاً تلك التي تخدم الفئات الأكثر هشاشة، تشكل مدخلاً منطقياً لتوفير أثر اجتماعي سريع ومستدام، هذه المشاريع لا تلبي الاحتياجات الإنسانية الملحة فحسب، بل تؤسس أيضاً لدورة اقتصادية متكاملة تنشط قطاعات متعددة في الوقت ذاته.
ولتسهيل هذه العملية، يقترح فرحات إنشاء “بنك المشاريع الوطني”، وهو منصة تضم مشاريع ذات أولوية واضحة ضمن منظومة استثمارية متكاملة تُعرض على المستثمرين المحليين والدوليين بطريقة احترافية تضمن التنسيق بين جميع الأطراف المعنية، وتجربة دول الخليج العربي أثبتت أن اعتماد مثل هذه المنظومات يزيد من فعالية الاستثمار واستدامته على المدى الطويل.
الاستثمار المؤثر والبعد الاجتماعي
يدعو فرحات إلى الانتقال من المشاريع الفردية إلى المنظومات الاقتصادية المتكاملة، التي تجمع بين الربحية والاستقرار الاجتماعي والبعد البيئي، وتحوّل رأس المال من مجرد أداة مالية إلى رافعة لبناء مجتمع أكثر تماسكاً واقتصاد أكثر مرونة أمام الأزمات.
“الاستثمار المؤثر في سوريا هو جسر لإعادة الحياة الاقتصادية وخلق فرص عمل حقيقية، ويعيد الثقة بالاستثمار المحلي والدولي”،
يختتم فرحات: اليوم لم يعد الاستثمار العربي والأجنبي في سوريا مجرد أرقام على الورق، المطلوب رؤية واضحة ومنظومة متكاملة توفر أثراً اقتصادياً واجتماعياً مستداماً، وتعيد للمواطن السوري ثقته بأن الاستثمار يمكن أن يتحول إلى واقع ملموس يحسن حياته اليومية، ويؤسس لبنية اقتصادية قوية في مرحلة إعادة البناء.