نظام “باك تو باك” على المعابر الحدودية… حماية لأسطول النقل أم كلفة إضافية على الأسواق؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – آلاء هشام عقدة::

في خطوة تنظيمية تحمل أبعاداً اقتصادية وتشغيلية، أصدرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية قراراً يقضي بمنع دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية عبر مختلف المعابر الحدودية مع دول الجوار، باستثناء شاحنات الترانزيت، واعتماد نظام “باك تو باك” في ساحة الطبون كنقطة عبور رئيسية.

القرار، الذي دخل حيّز التنفيذ بشكل فوري، يعني عملياً تفريغ حمولة الشاحنات القادمة إلى ساحة الجمارك في المعابر الحدودية، ونقلها إلى شاحنات سورية لتكمل طريقها إلى الداخل.

وبينما يبدو الهدف المعلن واضحاً في دعم أسطول النقل الوطني وحماية مصالح السائقين السوريين، إلا أن التداعيات التشغيلية والاقتصادية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول الكلفة والجدوى.

منطق المعاملة بالمثل

من الناحية التقنية، يستند القرار إلى مبدأ “المعاملة بالمثل”، ولا سيما بعد منع دخول الشاحنات السورية إلى الأراضي الأردنية منذ سنوات، وهو ما انعكس سلباً على قطاع النقل البري المحلي. ويرى مؤيدو القرار أن تشغيل الشاحنات السورية في عمليات المناولة والنقل الداخلي من شأنه تحريك سوق العمل في قطاع الشحن التجاري، وإيجاد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في ساحات الجمارك والمعابر.

كما أن الفارق في تكاليف الشحن بين الجانبين يُعدّ أحد عناصر الجاذبية، إذ تُقدّر تكلفة الشحن في الجانب الأردني بنحو 1200 دولار أمريكي، مقابل نحو 700 دولار في الجانب السوري، ما قد يفتح المجال نظرياً لتخفيض الكلفة الإجمالية في حال إدارة العملية بكفاءة عالية.

لكن هذا التصور يبقى مشروطاً بقدرة البنية التحتية والإجراءات الإدارية على استيعاب حجم الحركة التجارية دون خلق اختناقات أو تأخيرات.

تحديات تشغيلية

في المقابل، يفرض نظام “باك تو باك” كلفة إضافية مباشرة تتمثل في أجور المناولة والتفريغ وإعادة التحميل، إلى جانب زيادة نفقات التأمين والتخزين. ويزداد القلق في ما يتعلق بالبضائع الغذائية والدوائية والحساسة، التي قد تتأثر بتكرار عمليات النقل أو بطول مدة الانتظار في الساحات الجمركية.

كما أن إطالة زمن العبور والتخليص الجمركي، مع احتمالية تكدس الشاحنات في ساحة الطبون، قد يؤدي إلى تمديد زمن المناولة إلى أسابيع في حال عدم توفير تجهيزات كافية وكوادر مدرّبة، وهو ما يتناقض مع الحاجة إلى انسيابية الحركة التجارية في مرحلة يسعى فيها الاقتصاد السوري إلى استعادة عافيته.

إلى جانب ذلك، فإن حصر العبور بساحة محددة قد يفتح المجال لاجتهادات في التطبيق بين المعابر المختلفة، ما يوجد تفاوتاً في الإجراءات ويحدّ من وضوح الآلية أمام التجار وشركات الشحن.

كلفة القرار

اقتصادياً، تبقى المسألة الجوهرية في انعكاس القرار على الأسعار النهائية للسلع. فزيادة كلف النقل والتأمين والتخزين غالباً ما تنتقل تدريجياً إلى المستهلك النهائي، خصوصاً في ظل سوق يعاني أصلاً من ضغوط تضخمية وارتفاع في تكاليف الاستيراد.

ويحذر عدد من العاملين في القطاع التجاري من أن التطبيق الفوري للقرار دون إشراك غرف التجارة أو وزارة النقل أو نقابة الشحن قد يحوّله إلى عبء إضافي على الأسواق، بدلاً من أن يكون أداة تنظيمية داعمة للاقتصاد.

التنفيذ هو الفيصل

في تصريح لـ”الحرية” يرى الخبير الاقتصادي الدكتور ذو الفقار عبود أن القرار “يحمل بعداً سيادياً وتنظيمياً مهماً، لأنه يعيد الاعتبار لقطاع النقل الوطني ويعزز فرص تشغيل الأسطول السوري، وهو قطاع تضرر لسنوات طويلة نتيجة القيود المتبادلة على المعابر”.

ويضيف عبود: “من حيث المبدأ، أي سياسة تهدف إلى دعم القطاعات الإنتاجية والخدمية المحلية هي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن نجاحها يرتبط بآلية التنفيذ. فإذا أدى نظام باك تو باك إلى رفع الكلفة الإجمالية للنقل بشكل يفوق الوفر المتحقق من تشغيل الشاحنات السورية، فإن النتيجة النهائية ستكون ارتفاع الأسعار على المستهلك”.

ويشير إلى أن “المعادلة الدقيقة تكمن في تحقيق توازن بين حماية مصالح أسطول النقل الوطني وضمان انسيابية التجارة الخارجية. ويتطلب ذلك تجهيز ساحات المناولة ببنية تحتية متطورة، واعتماد أنظمة إلكترونية سريعة للتخليص الجمركي، وتحديد سقوف زمنية واضحة لعمليات التفريغ وإعادة التحميل”.

ويرى دكتور عبود أن بالإمكان تقليل الآثار السلبية عبر “تطبيق تدريجي للقرار، وتقييم دوري للنتائج، مع فتح قنوات حوار مع غرف التجارة وشركات الشحن لضبط الاختلالات فور ظهورها”.

بين الانغلاق والتنظيم

القرار يضع الاقتصاد أمام مفترق دقيق: فبينما يُعدّ دعم الأسطول الوطني خطوة مطلوبة في سياق إعادة تنشيط القطاعات الخدمية، إلا أن أي إجراء يزيد الأعباء التشغيلية قد يُفهم على أنه انكفاء تجاري غير مباشر، خاصة إذا لم يُقترن بإصلاحات موازية في المرافئ والبنية اللوجستية.

وفي ظل حاجة المرافئ البحرية إلى أعمال صيانة وتحديث شاملة، يصبح الضغط على المعابر البرية أكبر، ما يفرض إدارة احترافية عالية الكفاءة لتجنب الاختناقات.

التوازن المطلوب

في المحصلة، لا يختلف اثنان على أهمية حماية قطاع النقل البري السوري وتشغيل اليد العاملة المحلية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة القرار بطريقة تحقّق أهدافه دون تحميل السوق المحلية أعباء إضافية.

الاختبار الفعلي لنظام “باك تو باك” لن يكون في نص القرار، بل في سرعة التنفيذ، وشفافية الإجراءات، وقدرة الجهات المعنية على تصحيح المسار عند الحاجة. فإما أن يتحول إلى أداة لتنشيط قطاع النقل ودعم الاقتصاد الوطني، أو يصبح كلفة جديدة تضاف إلى فاتورة المستهلك السوري.

Leave a Comment
آخر الأخبار

Warning: PHP Startup: Unable to load dynamic library 'imagick.so' (tried: /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so: cannot open shared object file: No such file or directory), /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so.so: cannot open shared object file: No such file or directory)) in Unknown on line 0

Warning: PHP Startup: Unable to load dynamic library 'sodium.so' (tried: /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so: cannot open shared object file: No such file or directory), /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so.so: cannot open shared object file: No such file or directory)) in Unknown on line 0