استنطاق الأماكن برؤية سردية وجمالية بصرية في “صيغة توافقية” للقاصة نجوى صليبه

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية _هويدا محمد مصطفى:

السرد بصمة يتفرد بها الكاتب أو الكاتبة، من خلال استخدام عناصر الحوار والتشخيص، وتناول قضايا إنسانية واجتماعية وفكرية، عبر دورات سردية عديدة متصلة ومنفصلة، ومتشابكة ومتمايزة. تتسم الواحدة منها بصيرورة المسار الإبداعي والسرد القصصي الممتع، من خلال توظيف إمكانيات اللغة وما تحويه من مرادفات، عبر أحداث وتواريخ مشوقة أخذتنا إليها الكاتبة بكل تفاصيلها.
في مجموعتها القصصية “صيغة توافقية” ، لا نقرأ مجرد قصص، بل لقطات عابرة بكاميرا الذاكرة، استنبطت أحداثها من واقعها وعملها الإعلامي. جسدت الكاتبة الكثير من المحطات عبر زوايا الذاكرة الممتدة بين الواقع والتخييل، وأبدعت من خلال تقنية حضور الصور بكل تجلياتها ودلالاتها، لتبدو القصص كلوحات متعددة الألوان، بمفردات متنوعة وأحداث جمعت بين السؤال والبحث وأدوات الاستفهام.
وفي جانب آخر، اعتمدت صليبة السخرية من خلال واقعية تعبيرية، وبَلغة سلسة، وأسلوب مدهش، وسرد انسيابي بعيد عن الحشو والتشتت.
كما تمكنت الكاتبة من دقة البناء التشخيصي والنفسي، والرسم الدقيق بما يشبه فن البورتريه لملامح الوجوه، من خلال الإسهاب في الوصف لأدق التفاصيل. تُعد هذه من مظاهر براعة الكاتبة في امتلاك أدوات الإبداع والابتكار والتجديد في الفن القصصي، باستخدامها لعنصري الزمان والتسلسل المنطقي للأحداث من دون إخلال بتركيز القارئ على الحدث الأساسي، وسبرها لأغوار توظيفها (أين ومتى).
صليبة استخدمت مخزونها اللغوي مستعيدة الصياغة السردية، وحرصها على بساطة اللغة. ففي قصة بعنوان “الحقيقة المرة” تقول:
“قلت: أسير وفق القوانين والقواعد مثلي مثل البقية. لكن لم أتوقع أن الدور والتنظيم الذي خارج القاعة يقابله العكس داخلها. كنت فيما سبق مثلك، لكن لا تعيدي هذا الفعل مرة ثانية. أينما ذهبت، أظهري بطاقتك الصحفية، واستعيني بالواسطة إن كان لديك. اسمعي مني… نصيحة مجرب وحقيقة واقعية.”
يبدو أن التحول المكاني الراسخ في وجدان وقلب الروي له طعم مميز ومتفرد، من خلال التقاط رمزية المعنى والخطاب الفني في ضوء إمكانية التشكل والتحقق، والدفق الشعوري المرتبط بالآخر من خلال مشهد تأملي وقضايا اجتماعية وإنسانية. وظفت الكاتبة ذلك بأسلوب سلس وجمالية التعبير السردي الذي يعتمد على الوضوح والواقعية. إنها لغة تجمع بين السرد القصصي والخطاب التعبيري المملوء بانكسارات وأصوات الذات، بفضاءات عاطفية وفلسفية وطاقة استعارية تدرجت بها الكاتبة لتطوير المعنى بمنطق الحدث والمشهد الذي يمازج الروح بأتعاب الحياة، وسخرية القدر، وتوافقية الفكر المطروحة.
فنجد أن الكاتبة متأثرة بعملها الصحفي لخلق تلك الحالات والقصص التي عاشتها بتفاصيل ذاكرتها، والتي مازالت تختزن الكثير من القضايا والمشاهد العالقة بين أوراقها المحلقة بفضاء الإبداع. وفي قصة بعنوان “لو بقيت ذكرى..!” تقول: “سنوات مرت على مغادرة “رهف” قريتها المختبئة في قعر كأس، حوافه ملونة غير متساوية. هكذا كانت تراها، ومع مرور الوقت صارت تراها جنيناً متكوراً في رحم جبال حانية من كل الجهات، تحتضنه وتداريه برموش العيون.”
لنقل إن الكاتبة زادت من جمالية الرؤى السردية التي تدل على اقتناص الفكرة وأماكن التخييل، والتي تشد القارئ بطريقة الدهشة. نلاحظ ذلك من خلال اختيارها للعناوين. تضم المجموعة ثلاثاً وعشرين قصة، نذكر بعض العناوين: “صيغة توافقية” ، “الحقيقة المرة” ، “قرقعة” ، “مفاتيح الفوضى” ، “كؤوس” ، “الأمانة” ، “سباق الفقراء” .
يذكر أن المجموعة القصصية “صيغة توافقية” صادرة عن دار توتول للطباعة والنشر والتوزيع.

Leave a Comment
آخر الأخبار