الحرية- لمى سليمان:
قدر وزير المالية يسر برنية في تصريح إعلامي له نمو الاقتصاد في السنة الفائتة بقيمة تصل لـ 5 بالمئة، على الرغم من العديد من التحديات الهائلة المبنية على العقوبات والفساد الإداري والقوانين البائدة التي وقفت في صف المستورد ضد المنتج الوطني، إضافة إلى السيل الهائل من المنتجات المستوردة التي أعاقت تحريك المنتج الوطني وغيرها من التحديات التي نتج عنها اقتصاد متهالك.
وتبعاً لتقديرات البنك الدولي فقد شهد الاقتصاد السوري نمواً بنسبة 1 بالمئة في العام الفائت بعد انكماش بنسبة 1.5 بالمئة في سنة 2024 أرجعتها إحصائيات البنك لنقص السيولة وتبعات العقوبات والبنى التحتية المدمرة. فكيف تم تحقيق هذا النمو الذي تحدث عنه وزير المالية وماهي الأسس التي يمكن توقعها لتحقيق نسبة مضاعفة هذا العام وفق الوضع الاقتصادي الحالي والتي رجح برنية أن تصل إلى 10 بالمئة؟
عوامل إيجابية
في إجابة عما سبق يتحدث الخبير الاقتصادي أنس الفيومي عن العوامل الإيجابية التي قد تكون الأساس في النسبة المصرح عنها مرجحاً بكونها عوامل نظرية بحتة وهي:
أولاً: شهدت بعض المدن عودة تدريجية للحركة التجارية، وعودة لعدد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لا سيما في القطاعات الخدمية والاستهلاكية، هذا النوع من النمو غالباً ما يكون مؤشر تعافٍ بعد انكماش طويل. إضافة إلى توقع تحسن في الموسم الزراعي مقارنة بالعام الذي سبقه، لأن الزراعة قطاع حيوي يسهم برفع الناتج المحلي الإجمالي.
وتابع الفيومي في تصريح لـ” الحرية” أن سبباً آخر في زيادة توقعات النمو يكمن في زيادة التحويلات من الخارج التي تنعكس على الاستهلاك المحلي، ما يدعم القطاعات التجارية والخدمية ويرفع إلى حد ما القيمة الاسمية للناتج.
وسبباً آخر يتوضح في التأثير الاسمي الناتج عن التضخم ونعني به أنه في اقتصاد يعاني من معدلات تضخم مرتفعة، قد يظهر نمو رقمي في الناتج المحلي بالأسعار الجارية، من دون أن يعني ذلك أن هناك تحسناً حقيقياً في القوة الشرائية أو الإنتاج الفعلي، بعبارة أخرى هل نتحدث عن نمو حقيقي بالأسعار الثابتة أم نمو اسمي متأثر بالتضخم لأن الفارق بينهما كبير جداً.
خطة النمو المتوقعة
أما بالنسبة لتوقعات النمو المتوقعة بنسبة 10بالمئة والتي أتت في الجزء الآخر من تصريح برنية, فتعتبر هذه النسبة المرجوة, كما يوضح الفيومي, نسبة مرتفعة حتى في الاقتصادات المستقرة، فكيف باقتصاد يعاني من ضعف في التمويل المصرفي والإقراض الإنتاجي، فآثار العقوبات الخارجية مازالت ذيولها واضحة في التدفق الخجول للاستثمار المحلي والأجنبي, عدم استقرار سعر الصرف مما قد يوصف بالهشاشة، ضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
ويقول الفيومي: إذا قبلنا الصعود إلى قطار التفاؤل بتحقيق هذه النسبة، فلابد من وجود خطة اقتصادية واضحة المعالم تتضمن إعادة إطلاق الإقراض الإنتاجي بضوابط مدروسة وخطة حكومية واضحة للقطاعات المطلوب دعمها، تحفيز الاستثمار عبر ضمانات قانونية وبيئة تنظيمية مستقرة، إصلاح النظام الضريبي دون إنهاك المنتجين به، إعطاء أولوية للقطاعات ذات القيمة المضافة مثل الزراعة والصناعات الغذائية والطاقة البديلة، والأهم استقرار نقدي فعلي يعزز الثقة بالعملة المحلية، بدون هذه الركائز يبقى رقم 10% أقرب إلى هدف سياسي أو طموح معنوي منه إلى توقع اقتصادي مبني على مؤشرات كمية واضحة.
معايير نمو الاقتصاد
ويختم الفيومي شارحاً معايير النمو الحقيقي بكليتها وهي: باختصار في المعايير الاقتصادية الدولية، يقاس النمو الحقيقي بمؤشرات دقيقة، أبرزها نمو الناتج المحلي الحقيقي وارتفاع الإنتاج الصناعي والزراعي وتحسن الاستثمار الثابت وزيادة الصادرات وتحسن الدخل الحقيقي للفرد.
أما بتعبير شعبي، لا يكفي تسجيل نسبة نمو رقمية إذا لم يلمس المواطن تحسناً في مستوى معيشته، أو إذا لم تنعكس على فرص العمل المتنوعة ودخل حقيقي كاف.
وبتعبير أكاديمي، بعض الاقتصادات الخارجة من أزمات كبيرة، قد تسجل نسبة نمو مرتفعة نسبياً بسبب انخفاض قاعدة المقارنة وهذا ما يعرف بأثر القاعدة المنخفضة حيث تبدو النسبة كبيرة، لأن السنة السابقة كانت ضعيفة جداً.
أخيراً الحديث عن نمو 5% قد يكون ممكناً ضمن سياق تعافٍ جزئي أو نمو اسمي، لكنه يحتاج إلى شفافية أكبر في عرض المنهجية والأرقام التفصيلية، أما الوصول إلى 10% يتطلب تحولاً اقتصادياً حقيقياً لا مجرد تحسن ظرفي، ويبقى المعيار الأهم ليس الرقم بحد ذاته، بل تحسن فعلي في دخل المواطن، وتوسع حقيقي في قاعدة الإنتاج، لأن النمو الحقيقي لا يقاس بالأرقام بل بمدى انعكاسه على حياة الناس.