الحرية ـ حسين الإبراهيم:
- كيف يمكننا تحويل الهاشتاغ إلى قوة اجتماعية؟
- متى استخدمت هاتفك لما هو أكثر من مجرد الترفيه؟
- ماذا لو كانت وسائل التواصل الاجتماعي التي بين أيدينا هي المفتاح لمواجهة أقسى أزماتنا؟
في زمن يموج بالتحولات الرقمية المتسارعة، حيث بات الذكاء الاصطناعي يكتب النصوص ويرسم اللوحات، وحيث باتت الخوارزميات تقرر ما نشاهده ونقرأه، يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للترفيه والدردشة ومقاطع الفيديو الساخرة؟ أم إن هذه الأدوات يمكنها أن تتحول إلى سلاح مجتمعي فعال لمواجهة المشكلات المستعصية التي تعجز عنها الحكومات والمؤسسات التقليدية؟
لطالما اعتدنا النظر إلى فيسبوك وتويتر وإنستغرام باعتبارها منصات للهروب من واقع مؤلم، لا أدوات لمواجهته.
لكن التجارب العالمية تخبرنا بعكس ذلك. فعندما أطلق ثلاثي من الناشطات السود وسم #BlackLivesMatter عام 2013، وعندما سكب أحدهم دلو ماء مثلج على رأسه متحدياً أصدقاءه في صيف 2014، لم يكونوا على ثقة مطلقة [أنهم سيحولون لعبة ترفيهية إلى قوة علمية وإنسانية.
هاتان التجربتان، وغيرهما كثير، تثبتان حقيقة واحدة: وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت أدوات سلطة اجتماعية قادرة على هندسة الرأي العام، وتحويل التحديات الترفيهية إلى قوة داعمة للبحث العلمي.
وهنا، نقف نحن السوريون أمام مرآة أزماتنا اليومية: كهرباء تنقطع ساعات طويلة، مياه تكاد تختفي أو اختفت في كثير من المناطق، بطالة تلتهم أحلام الشباب، غلاء يفوق القدرة على التحمل، وفقر مدقع يحول الحياة إلى معركة يومية للبقاء. مشكلات تقليدية عجزت الحلول التقليدية عن حلها، بل في أحيان كثيرة ساهمت في تفاقمها.
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكننا توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لمهام اجتماعية حقيقية في سوريا؟ وما هو المنهج العملي الذي يمكننا اعتماده لتحويل التفاعل الرقمي إلى تأثير ملموس على الأرض؟
دروس من التجارب العالمية
عندما أطلقت ناشطات ثلاث وسم #BlackLivesMatter في أعقاب تبرئة قاتل المراهق “ترايفون مارتن”، لم يكن الهدف مجرد إنشاء هاشتاغ عابر، بل بناء هوية رقمية لقضية كانت مهمشة. خلال سنوات قليلة، تحول هذا الوسم إلى حركة اجتماعية عالمية، استطاعت أن تضع قضية العنصرية وعنف الشرطة في صدارة النقاش العام، وأن تحشد الملايين في شوارع المدن الأمريكية. ما فعلته الحركة هو توظيف أدوات بسيطة لخلق وعي جماعي لا يمكن تجاهله.
في الجهة المقابلة، جاءت حملة #IceBucketChallenge لتثبت أن الترفيه يمكن أن يكون بوابة للعمل الخيري. ففي صيف 2014، انتشرت مقاطع فيديو لأشخاص يسكبون دلاء من الماء المثلج على رؤوسهم، متحدّين أصدقاءهم لفعل المثل أو التبرع لأبحاث مرض “التصلب الجانبي الضموري” ALS. ما بدا للوهلة الأولى كموجة جنون عابرة، تحول إلى ظاهرة عالمية جمعت أكثر من 200 مليون دولار، وساهمت في تمويل أبحاث علمية حققت تقدماً ملموساً في فهم المرض وعلاجه.
المشترك بين التجربتين أنهما استخدمتا الإعلام الرقمي ليس كبديل عن العمل الميداني أو المؤسسي، بل كعامل مساعد قوي.
هاتان الحملتان أثبتتا أن المواطنين العاديين، حين يدركون قوة الأدوات التي بين أيديهم، يمكنهم أن يحدثوا فرقاً حقيقياً في قضايا تمس حياتهم، دون انتظار حلول جاهزة من جهات خارجية.
كيف نوظف الإعلام الرقمي؟
إذا أردنا تطبيق هذه الدروس على واقعنا السوري، فإن أزمة الكهرباء تمثل نموذجاً مثالياً للانطلاق. فالمشكلة لم تعد مقتصرة على التقنين الحكومي الذي اعتدنا عليه سنوات طويلة، بل تحولت إلى عبء مالي جديد يثقل كاهل المواطنين. فبعد رفع الدعم وفرض تسعيرة جديدة قياسية على الكهرباء، أصبحت الفاتورة الشهرية تشكل قفزة هائلة في مصروفات الأسر، بينما لا يزال التيار الرسمي يأتي بساعات محدودة وجودة متدنية.
هنا يمكن للإعلام الرقمي أن يلعب دوراً مساعداً مهماً، ليس كبديل عن عمل المؤسسات المعنية، بل كأداة تضع الناس أمام مسؤولياتهم الاجتماعية لحل المشكلات التي يواجهونها بأنفسهم. فبدلاً من الاكتفاء بالشكوى الفردية على جدران فيسبوك، يمكن توحيد الأصوات تحت وسم واحد يفضح الفجوة بين الأسعار المرتفعة والخدمة المتدنية.
بدلاً من الانتظار السلبي لتحرك الجهات الرسمية، يمكن للمواطنين توثيق فواتيرهم وساعات الوصل والفصل في مناطقهم، ومشاركة هذه البيانات لتكوين صورة شاملة عن حجم الأزمة.
خريطة طريق عملية
من الدروس المستفادة من التجربتين العالميتين، يمكن استخلاص منهجية متكاملة من سبع خطوات قابلة للتطبيق على أزمة الكهرباء في سوريا:
الخطوة الأولى: تحديد القضية بدقة، ليس المطلوب التحدث عن “أزمة الكهرباء” بشكل عام، بل تركيز الرسالة على جانب محدد وواضح، مثل “الفاتورة الجديدة غير المتناسبة مع ساعات التغذية”.
الخطوة الثانية: إطلاق وسم موحد (هاشتاغ) مثل #كهرباء_بلا_خدمة.
الخطوة الثالثة: إنتاج محتوى بصري مؤثر صور للفواتير، فيديوهات قصيرة.
الخطوة الرابعة: حشد المؤثرين والنشطاء
الخطوة الخامسة: تشجيع المشاركة الجماهيرية. حملات تفاعلية مثل “صوّر فاتورتك واكشف” أو “ساعة بلا كهرباء” تدفع الناس للمشاركة الفعلية.
الخطوة السادسة: ربط الرقمي بالميداني. تحويل الزخم الإلكتروني إلى خطوات عملية.
الخطوة السابعة: توثيق الإنجازات والاستمرار
الفعاليات القادرة على القيادة
النجاح في توظيف الإعلام الرقمي لا يعتمد على فرد واحد أو جهة واحدة، بل على تكامل أدوار مجموعة من الفعاليات المجتمعية. في المقدمة يأتي المواطن العادي، صاحب الفاتورة المرتفعة وساعات القطع الطويلة، فهو صاحب المصلحة الحقيقية، والمصدر الأساسي للمحتوى الموثوق عبر صور الفواتير وشهادات المعاناة اليومية.
إلى جانبه، يلعب النشطاء وصناع المحتوى دوراً محورياً في صياغة الرسائل وتحرير المواد البصرية وتوسيع انتشارها.
أما الصحفيون والمدونون المحليون، فدورهم يتمثل في توثيق الأزمة بشكل مهني، وتحليل البيانات المتعلقة بالأسعار وساعات التغذية.
أيضاً، يمكن للخبراء والمختصين المساهمة بتقديم قراءات فنية وقانونية للقضية، ودعم المطالب الشعبية بحلول عملية قابلة للتنفيذ.
التحديات الواقعية
تطبيق هذه المنهجية في السياق السوري يواجه تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها. أول هذه التحديات هو الإحباط العام واللامبالاة الذي أصاب الكثيرين بعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة. الناس منهكون، وقد لا يستجيبون بسهولة لدعوات المشاركة.
التحدي الثاني يتمثل في ضعف البنية التحتية الرقمية نفسه.
التحدي الثالث هو التشتت الجغرافي وتعدد الجهات المسؤولة عن الكهرباء.
أما التحدي الأكبر، فيتمثل في غياب آليات المساءلة الرسمية في بعض المناطق. هنا يجب التأكيد على أن الهدف ليس مواجهة السلطات، بل تنظيم الجهود الذاتية للمواطنين.
من الهاشتاغ إلى الأمل
ما حاول هذا المقال تقديمه ليس وصفة جاهزة أو حلاً سحرياً لأزمة الكهرباء في سوريا، بل دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بوسائل التواصل الاجتماعي. هذه المنصات التي نفتحها يومياً للتسلية أو الهروب من الواقع، تحمل في طياتها إمكانات هائلة لتحويل المعاناة الفردية إلى حراك جماعي منظم.
الفارق بين الشكوى العابرة على فيسبوك والحملة المنظمة هو وعي الناس بدورهم، وإيمانهم بأن أصواتهم مجتمعة تشكل قوة لا يمكن تجاهلها.
ربما تكون شاشة هاتفك التي تقرأ منها هذه الكلمات هي أول شمعة في طريق طويل نحو حياة أفضل. فلا تتركها تنطفئ.