رمضان في سوريا… أسواق ممتلئة وجيوب حذرة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة ابو تك:

لم يعد السؤال في رمضان: هل تتوافر المواد في الأسواق السورية؟
السؤال الحقيقي الذي يطرحه المواطن اليوم هو: هل يستطيع شراءها؟
مع الأيام الأولى من الشهر الفضيل، تبدو صورة الأسواق مختلفة عن أعوام سابقة. الرفوف ممتلئة، المواد الغذائية الأساسية متاحة من دون انقطاع، ولا مشاهد لطوابير أو فقدان سلع، مشهد يوحي بالاستقرار، لكن خلف هذا الامتلاء الظاهري، تتحرك معادلة أكثر تعقيداً قدرة شرائية تتآكل ببطء، وحذر واضح في قرارات الشراء.

وفرة السلع… لكن الشراء بحساب

في جولة ميدانية على عدد من المحال، تتوافر مواد السكر والأرز والزيوت والبقوليات بكميات كافية، لا أزمة عرض، ولا نقص في الإمدادات، غير أن المشهد أمام صناديق الدفع يكشف جانباً آخر..
متسوقون يقلّصون الكميات، يحذفون أصنافاً من سلالهم، ويستبدلون علامات تجارية بأخرى أقل سعراً.

الأسواق تعمل.. لكن السلوك الاستهلاكي تغيّر

لم يعد الشراء موسعاً كما اعتادت الأسر في مواسم رمضان، بل بات أقرب إلى إدارة أزمة صغيرة داخل كل منزل.

تفاوت الأسعار في رمضان… أين الاستقرار؟
أحد أبرز التحديات في رمضان 2026 هو التفاوت السعري بين محل وآخر، في الحي الواحد قد تُباع السلعة نفسها بفارق ملحوظ، ما يضع المستهلك أمام سؤال يومي: أي سعر هو الحقيقي؟
رغم وجود تسعيرات معلنة لبعض المواد، إلا أن الالتزام ليس موحداً، بعض التجار يلتزمون بالسعر المحدد، فيما يضيف آخرون هوامش مختلفة تحت مبررات ارتفاع التكلفة أو اختلاف مصدر التوريد.
الرقابة التموينية كثفت جولاتها ونظمت ضبوطاً بحق المخالفين، إلا أن السوق لا يزال يتحرك بإيقاع غير ثابت، الأسعار لا تقفز بشكل صادم، لكنها ترتفع تدريجياً، وهو النوع الأخطر من الارتفاعات، لأنه يتسلل إلى ميزانية الأسرة من دون ضجيج.

تحرير الأسعار في سوريا… هل تحقق الهدف؟

خلال المرحلة الماضية، اتجهت الحكومة إلى توسيع هامش تحرير الأسعار في عدد من القطاعات، بهدف ضمان وفرة السلع وتقليل التشوهات في السوق.
والنتيجة واضحة من حيث العرض لا اختناقات ولا انقطاعات حادة.
لكن هل يكفي تحرير الأسعار لضبط الأسواق؟
الخبير الاقتصادي الدكتور منير خليفة يؤكد في حديثه للحرية أن وفرة السلع لا تعني تلقائياً استقرار السوق، موضحاً
تحرير الأسعار يساعد على منع نقص المواد، لأنه يربط التسعير بالتكلفة الفعلية، لكن وجود تسعيرة معلنة لا يعني التزاماً كاملاً بها، وهنا تظهر الفروقات التي يشعر بها المواطن يومياً.
ويضيف إن الرقابة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم يُضبط التفاوت السعري بين نقاط البيع، مشيراً إلى أن الاستقرار الحقيقي يتحقق عندما يصبح السعر متوقعاً وثابتاً نسبياً، لا عندما يتغير من متجر إلى آخر”.

دخل ثابت… وسوق لا تنتظر

المعادلة الأكثر حساسية في رمضان 2026 تكمن في الفجوة بين الأسعار والدخل.
الأجور في معظمها شبه ثابتة، فيما تتحرك الأسعار ولو بشكل تدريجي، ومع كل زيادة صغيرة، يتقلص هامش الأمان في ميزانية الأسرة.
يقول الدكتور خليفة: عندما يبقى الدخل عند مستوى شبه ثابت وتتحرك الأسعار، حتى ببطء، فإن العبء يتراكم، السوق قد يتأقلم سريعاً، لكن دخل المواطن لا يتغير بالوتيرة نفسها.
هذه الفجوة تفسر ظاهرة الشراء الحذر، الأسرة لا تتوقف عن الاستهلاك، لكنها تعيد ترتيب الأولويات الأساسيات أولاً، الكماليات مؤجلة، والبدائل الأرخص خيار دائم.

هل المسؤولية على التاجر فقط؟

الشارع غالباً ما يحمّل التاجر مسؤولية ارتفاع الأسعار، غير أن الواقع أكثر تعقيداً.
تكلفة الاستيراد، النقل، الطاقة، وتقلبات سعر الصرف جميعها عوامل تدخل في تحديد السعر النهائي.
لكن في المقابل، فإن غياب هوامش واضحة ومعلنة للربح يفتح الباب أمام فروقات يصعب تفسيرها بالكامل بعامل التكلفة، وهنا يبرز التحدي الحقيقي كيف نحافظ على حرية السوق من دون أن تتحول إلى فوضى سعرية؟
يؤكد خليفة أن تحرير السوق لا يعني غياب الإطار التنظيمي، بل يفترض وجود متابعة فعالة تضمن عدالة التطبيق وتحمي المستهلك من المبالغات.

معيار النجاح… ليس في الرفوف بل في القدرة على الشراء

رمضان 2026 لا يشهد أزمة مواد، لكنه يكشف ضغطاً معيشياً صامتاً.الأسواق ممتلئة، لكن الثقة ليست مكتملة.

السؤال لم يعد هل توجد السلع؟
بل هل يشعر المواطن بالاطمئنان وهو يشتريها؟
يختم الدكتور منير خليفة حديثه قائلاً:
أي سياسة اقتصادية تحتاج إلى توازن بين حركة الأسعار ومستوى الدخل، النجاح لا يُقاس فقط بوفرة السلع، بل بقدرة الناس على الشراء من دون قلق يومي.
وبين وفرة العرض وضيق القدرة الشرائية، يبقى المشهد الرمضاني هذا العام اختباراً دقيقاً لسياسات السوق.
فالاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد السلع على الرفوف.
بل بعدد الأسر القادرة على ملء سلالها من دون أن تعود إلى المنزل بحسابات أثقل من أكياسها.

Leave a Comment
آخر الأخبار