«الذبابة الإلكترونية».. عندما تتحول الأوهام إلى جنون

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – أحمد محمود الباشا:
العمل على استكشاف العوالم النفسية العميقة وتعرية الواقع باحترافية فريدة هو ما نلمسه من خلال ما تجسده القصة القصيرة «الذبابة الإلكترونية» التي تعد آخر قصة في الجزء الثالث من كتاب «قصص قصيرة مرعبة»، للكاتب القاص أمين الساطي والذي من المقرر صدوره قريباً خلال الأيام المقبلة.
ويتناول الساطي في قصته حكاية رجل يعمل سائق تكسي، مولع بتصفح «فيسبوك» على هاتفه ومتابعة الأخبار والمنشورات، وقد قرأ منشوراً على موقع «نيويورك بوست» يفيد بأن أميركا صنعت مسيّرة صغيرة بحجم الذبابة، مزودة بكاميرا وميكروفون، قادرة على التقاط الصور والأصوات وتتبع الأشخاص بسرية تامة، دون أن يتمكن الأشخاص العاديون من ملاحظتها.


كتب الرجل مقالاً له على حسابه في «فيسبوك» بيّن فيه أن المجتمع الاستهلاكي يقوم على نمط حياة «الرخاء الزائف»، بعد نشر المقالة، انتابه رعب شديد من أن «الحكومة الخفية» ستتعرف على كاتب المقالة وتنتقم منه، أخبر زوجته بمخاوفه، فردت عليه بأن الحكومة الخفية ليس لديها وقت لقراءة «فيسبوك»، وأن ما يشعر به مجرد أوهام عظمة وشعور مبالغ فيه.
بعد يومين، لاحظ تكاثر أعداد الذباب حوله، وعزت زوجته ذلك إلى نهاية الصيف وبداية الخريف، كان يكره لهجة زوجته المتعالية التي تذكره دوماً بأنها خريجة جامعية ومدرّسة رياضيات وتكبره بسنتين، بينما هو لم يكمل تعليمه الثانوي ويعمل سائق تكسي.
أزعجه تصرف زوجته حين رأها تتودد لابن خالتها خلال دعوة على الغداء، فتمنى لو أنه تزوج ابنة خالته الجميلة التي تصغره بعشرين عاماً، دفعه هذا إلى محاولة التخلص من زوجته، فأطبق بيديه على رقبتها ليخنقها، وكان يعتزم الاتصال بطبيبها لاحقاً وإخباره بأنها توفيت بسكتة قلبية.
وأثناء الضغط على رقبتها بكل قوته، رأى يدها تمتد نحو تمثال برونزي صغير لحورية البحر موضوع على منضدة السرير الجانبية، فاصطدم رأسه بالتمثال، ففقد وعيه تدريجياً بعد شعور بدوار شديد وطنين في أذنيه، ثم غاب عن الوعي تماماً.
عندما استيقظ، أدرك أنه يوجد في مستشفى الأمراض النفسية، وأصبح في نظر الآخرين مريضاً في «مستشفى المجانين»، ما أدى إلى انخفاض تقديره لذاته، اعترف بأن «الحكومة الخفية» كانت أذكى منه، لكنه مع ذلك حذر أصدقاءه على «فيسبوك» من خطر «الكابوس الذي يتحكم برقابهم»، مؤكداً أن الأيام ستكشف للآخرين الأغبياء صحة ما كان يقوله.
ما نراه في هذه القصة ومعظم قصص الكاتب الساطي هو حالة أدبية متميزة تغوص في تعرية الواقع الإنساني بأسلوب يمزج بين الواقعية والتشويق، ويتجلى ذلك في كشف أوهام الذات وإبراز قدرة الإنسان الفائقة على خداع نفسه وتصوير الأوهام كحقائق للهروب من واقع ممل أو مؤلم.
يوظّف الساطي الرعب ليس لمجرد التخويف، بل كأداة سردية لتعري الواقع واستكشاف الهواجس الإنسانية، الجزء الثالث من مجموعته القصصية سيرى النور قريباً، متضمناً عدداً وافراً من القصص المثيرة والشائقة التي ستجذب القراء والمتابعين لأعماله.

Leave a Comment
آخر الأخبار