الحرية– ياسر النعسان:
يولد الطفل صفحة بيضاء، تحمل بين سطورها إمكانات لا حدود لها، وما يُكتب في هذه الصفحة في سنواته الأولى يظل أثره ممتداً في حياته كلها.
لذلك فإن تنشئة الطفل تنشئة سليمة ليست مجرد مهمة تربوية عابرة، بل هي مشروع إنساني واجتماعي طويل المدى تشترك فيه الأسرة والمدرسة والمجتمع، وفي هذا الإطار تلعب المدرسة الحكومية دوراً محورياً، لأنها الفضاء الذي يلتقي فيه أبناء المجتمع بمختلف فئاتهم وقدراتهم وخلفياتهم، فيتعلمون معاً قيم العلم والتعاون والانتماء.
إن بناء شخصية متوازنة للطفل يتطلب بيئة تربوية قائمة على الحب والاحترام والتوجيه السليم، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، وإعطاء الاهتمام الكافي لذوي الاحتياجات الخاصة حتى يشعروا بأنهم جزء أصيل من المجتمع وليسوا على هامشه .
الأسرة.. المدرسة الأولى في حياة الطفل
الأخصائية الاجتماعية منال محارب بينت لـ”الحرية” أن الطفل قبل أن يطرق باب المدرسة، يكون قد تلقى أول دروس الحياة داخل أسرته، فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل الكلام، والسلوك، والتمييز بين الصواب والخطأ، وكلما كانت الأسرة واعية بدورها التربوي، استطاعت أن تضع الأساس المتين لشخصية طفلها، فالحب والاحتواء يمنحان الطفل الشعور بالأمان، وهو أساس النمو النفسي السليم، كما أن الحوار مع الطفل والاستماع إلى أفكاره وأسئلته يساعدان على تنمية قدرته على التفكير والتعبير عن نفسه، مشيرة إلى أنه في المقابل، فإن الإهمال أو القسوة أو المقارنة المستمرة بين الأطفال قد تترك آثاراً نفسية سلبية تؤثر في ثقة الطفل بنفسه لافتة إلى أن من أهم أدوار الأسرة أيضاً غرس القيم الأخلاقية مثل الصدق، والاحترام، وتحمل المسؤولية، وتشجيع الطفل على القراءة والإطلاع وتنمية الفضول المعرفي لديه، فالطفل الذي يجد دعماً وتشجيعاً من أسرته يكون أكثر استعداداً للنجاح في المدرسة والحياة .
بيئة تربوية واجتماعية
من جهته أشار الموجه التربوي شافي عللوه إلى أنه عندما ينتقل الطفل إلى المدرسة، يبدأ فصل جديد من رحلته التربوية، فالمدرسة الحكومية ليست مجرد مؤسسة تعليمية تقدم المعلومات، بل هي بيئة تربوية واجتماعية يتعلم فيها الطفل كيف يتعامل مع الآخرين، ويحترم القوانين، ويشارك في العمل الجماعي، لافتاً إلى أن المدرسة الحكومية تجمع أطفالاً من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، ما يتيح للطفل فرصة التعرف على التنوع داخل المجتمع، ومن خلال هذا التنوع يتعلم الطلاب قيم التعايش والتسامح واحترام الاختلاف.
وبين عللوه أن المعلم يلعب دوراً أساسياً في هذه البيئة، فهو ليس ناقلاً للمعلومة فقط، بل هو قدوة وموجه ومربي، فالمعلم الذي يتعامل مع طلابه بالصبر والاحترام ويشجعهم على المشاركة والتفكير، يزرع في نفوسهم حب التعلم والثقة بقدراتهم، إلى جانب ذلك، تساهم الأنشطة المدرسية مثل الرياضة والفنون والأنشطة الثقافية في تنمية شخصية الطفل بشكل متكامل، لأنها تساعده على اكتشاف مواهبه وتطوير مهاراته الاجتماعية .
مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال
من الخطأ الاعتقاد بأن جميع الأطفال يتعلمون بالطريقة نفسها أو يملكون القدرات نفسها، فكل طفل يمتلك شخصية فريدة ووتيرة تعلم مختلفة، لذلك فإن التربية الحديثة تؤكد ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، فبعض الأطفال يبدعون في المواد العلمية، بينما يتميز آخرون في الفنون أو الرياضة أو المهارات الاجتماعية، وعندما يتم التركيز فقط على التحصيل الدراسي دون الاهتمام بالمواهب الأخرى، قد نفقد فرصاً كبيرة لتنمية طاقات الأطفال، لذلك فإن دور المعلم والأسرة هو اكتشاف هذه القدرات المختلفة وتشجيع الطفل على تطويرها، فالطفل الذي يشعر بأن موهبته محل تقدير واهتمام يزداد حماساً للتعلم ويصبح أكثر ثقة بنفسه.
طاقات تحتاج إلى فرصة
وفي نفس السياق الأخصائية النفسية عرين قداح بينت أن من أهم جوانب التربية السليمة توفير بيئة تعليمية عادلة لذوي الاحتياجات الخاصة، فهؤلاء الأطفال قد يواجهون تحديات في التعلم أو الحركة أو التواصل، لكنهم في المقابل يمتلكون قدرات ومواهب يمكن أن تزدهر إذا توفرت لهم الظروف المناسبة لافتة إلى أن دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس الحكومية خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة التعليمية والاجتماعية فوجودهم مع بقية الطلاب يساعدهم على الاندماج في المجتمع، كما يعلّم بقية الأطفال قيم التعاطف والتعاون واحترام الاختلاف، لكن نجاح هذا الدمج يتطلب توفير معلمين مؤهلين، ووسائل تعليمية مناسبة، وبرامج دعم تساعد هؤلاء الأطفال على التعلم وفق قدراتهم، كما يجب توعية المجتمع المدرسي كله بأهمية احترامهم وتقدير جهودهم .
التواصل بين الأسرة والمدرسة مفتاح النجاح
لا يمكن تحقيق تنشئة سليمة للطفل حسب قداح إذا عملت الأسرة والمدرسة بشكل منفصل، فالتواصل المستمر بينهما ضروري لمتابعة تطور الطفل ومعرفة احتياجاته بانتظام، مبينة أن الأسر تطلع على مستوى أبنائها وسلوكهم داخل المدرسة، لمعرفة كيف يمكنهم دعمهم بشكل أفضل في المنزل؟ وفي المقابل يستطيع المعلمون فهم ظروف الطفل الأسرية وتقديم التوجيه المناسب له، وبالتالي فهذه الشراكة التربوية تخلق بيئة متكاملة يشعر فيها الطفل بأن الجميع يعمل من أجل مصلحته ونجاحه .
نحو جيل واعٍ وقادر على بناء المستقبل
ونحن بدورنا نشير إلى إن الاستثمار الحقيقي لأي مجتمع هو الاستثمار في أطفاله، فالطفل الذي ينشأ في بيئة تربوية صحية، قائمة على الحب والاحترام والتعليم الجيد، يكبر ليصبح إنساناً قادراً على التفكير والإبداع والمشاركة في بناء مجتمعه، ومن هنا فإن مسؤولية تنشئة الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، تتطلب الوعي والصبر والتعاون، فكل كلمة تشجيع، وكل موقف تربوي إيجابي، وكل فرصة تعليمية مناسبة يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً في حياة طفل.
وأخيراً إن الطفل ليس مجرد فرد صغير يعيش بيننا، بل هو مستقبل الأمة وأملها القادم، وكل جهد يُبذل في تربيته وتعليمه هو استثمار في مستقبل المجتمع كله، وعندما تتكاتف الأسرة مع المدرسة الحكومية في توفير بيئة تربوية عادلة تراعي الفروق الفردية وتدعم ذوي الاحتياجات الخاصة، فإننا نضع الأساس لجيل أكثر وعياً وإنسانية وقدرة على صناعة مستقبل أفضل.