الحرية- مها يوسف:
في لحظة إقليمية تتسم بإعادة رسم التوازنات، جاءت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق كإشارة واضحة إلى تحولات تتجاوز العلاقات الثنائية، لتطول شكل التموضع الجيوسياسي في المنطقة بأكملها.
فالزيارة لا تُقرأ بوصفها حدثاً دبلوماسياً عادياً، بل كمؤشر على دخول سوريا مرحلة جديدة تحاول فيها الانتقال من ساحة صراع إلى فاعل يسعى إلى توظيف موقعه الجغرافي ومقدراته الاقتصادية.
أستاذ التجارة الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور رياض الأشتر، يؤكد أن تقاطع المصالح بين سوريا وأوكرانيا يعيد تشكيل أولويات الاقتصاد والأمن الغذائي، ويفتح مساراً جديداً في إعادة الإعمار ضمن مقاربة أكثر براغماتية.
عودة العلاقات
يرى الدكتور الأشتر في تصريحه لـ”الحرية” أن الزيارة تعكس توجهاً نحو استعادة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وكييف بعد سنوات من التباعد الذي فرضه النظام البائد وتعقيدات الحرب وتحالفات المرحلة السابقة. وتأتي هذه الخطوة في سياق سعي سوريا إلى فك الارتباط الحصري بمحاور تقليدية، لا سيما المرتبطة بنفوذ روسيا، والانفتاح على شراكات أكثر تنوعاً.
هذا الانفتاح يحمل رسالة واضحة مفادها أن سوريا تتجه نحو سياسة خارجية تقوم على البراغماتية وعدم الارتهان لأي محور.
الدوافع الأوكرانية
يوضح الدكتور الأشتر أن الزيارة من الجانب الأوكراني ترتبط بجملة من الأهداف الاستراتيجية، في مقدمتها توسيع الحضور في الشرق الأوسط وبناء شراكات خارج الإطار الغربي التقليدي. وتسعى كييف إلى ترسيخ دورها كمورد رئيسي للحبوب، وفتح أسواق جديدة لصادراتها الزراعية، وتعزيز حضورها السياسي، إلى جانب تسويق خبراتها التقنية في إدارة الأزمات والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، تمثل سوريا فرصة مزدوجة: سوقاً واعدة ومنصة لإعادة التوازن في علاقاتها الدولية.
الأمن الغذائي
يشير الدكتور الأشتر إلى أن ملف الأمن الغذائي يبرز كأحد أهم ركائز التقارب بين البلدين، خاصة أن أوكرانيا تعد من كبار مصدري القمح عالمياً، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات حادة في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ولا يقتصر التعاون على الاستيراد، بل يمتد إلى تنويع مصادر الإمداد الغذائي، وتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات العالمية، ونقل الخبرات الزراعية والتقنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
الطاقة والبنية
يلفت الدكتور الأشتر إلى أن سوريا تعاني من تدهور كبير في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات، ما يجعل إعادة تأهيل البنية التحتية أولوية قصوى. وفي هذا الإطار، يمكن أن تلعب أوكرانيا دوراً مهماً عبر تقديم خبرات في إدارة أزمات الطاقة، والمساهمة في إعادة تأهيل الشبكات المتضررة، ودعم مشاريع تحسين الكفاءة والاستخدام المستدام.
ورغم محدودية الإمكانات المالية، تبقى القيمة الحقيقية في الخبرة وإمكانية التكامل مع شركاء آخرين.
إعادة الإعمار
يؤكد الدكتور الأشتر أن مشاريع إعادة الإعمار تشكل الأرضية الأوسع لهذا التقارب، حيث تبحث سوريا عن شركاء متنوعين لتغطية احتياجاتها، فيما تسعى أوكرانيا إلى تعزيز حضورها الاقتصادي. هذا التقاطع يفتح الباب أمام شراكات في قطاعات النقل والطاقة والمرافئ، واستثمارات في الصناعات التحويلية، وتطوير البنية اللوجستية والتجارية، ما يمنح دمشق هامشاً أوسع للمناورة الاقتصادية.
تحول سياسي
يرى الدكتور الأشتر أن هذه الزيارة تعكس تحوّلاً واضحاً في السياسة السورية نحو ما يمكن وصفه بالحياد الإيجابي، حيث تسعى إلى تطبيع العلاقات مع مختلف الأطراف، وبناء شراكات اقتصادية متوازنة، والابتعاد عن الاصطفافات الحادة، بما يعيد تقديمها كلاعب إقليمي فاعل.
تنسيق إقليمي
يشير الدكتور الأشتر إلى أن تزامن الزيارة مع حضور وزير الخارجية التركي يفتح الباب أمام احتمال تطوير تنسيق إقليمي أوسع، مثل هذا المسار قد يسهم في دعم إعادة الإعمار، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتخفيف التوترات، بما يعكس تحولاً تدريجياً نحو منطق الشراكة.
بين الطموح والواقعية
يشدد الدكتور الأشتر على أن نجاح هذه التحركات، رغم زخمها، يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات إلى مشاريع ملموسة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في فتح قنوات التواصل، بل في استثمارها ضمن رؤية اقتصادية واضحة ومستدامة.
يخلص الدكتور الأشتر إلى أن زيارة زيلينسكي إلى دمشق تؤشر إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية لسوريا، عنوانها الانفتاح والبراغماتية الاقتصادية. كما تعكس إدراكاً متبادلاً لأهمية التعاون في مرحلة ما بعد الصراعات، حيث تتقدم المصالح الاقتصادية على حساب الاصطفافات السياسية.