الحرية- صالح صلاح العمر:
في خطوة تُحسب له، اختار وزير المالية الدكتور محمد يسر برنية أن يواجه الحقيقة كما هي، دون تجميل أو مواربة، الاعتراف بوجود خلل في آلية رفع جداول الرواتب ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو إقرار مباشر بمشكلة تمس شريحة واسعة من الموظفين، وتؤثر في استقرارهم المعيشي، حين يتأخر الراتب عن الموظف، تتراكم الأعباء: إيجارات تنتظر، فواتير تتزايد، والتزامات لا تعرف التأجيل.
ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا التأخير إلى ضغط نفسي ينعكس سلباً على الأداء والإنتاجية معاً، كيف يمكن لموظف أن يبدع وهو منشغل بتدبير أموره المعيشية؟ وكيف تُبنى بيئة عمل صحية في ظل غياب أبسط الحقوق؟
هذه المواجهة الصريحة تمثل تحولاً مهماً في الخطاب الحكومي، حيث لم يعد مقبولاً تجاهل الأزمات أو تأجيلها خلف أبواب مغلقة، الوزير، بهذا الطرح، يضع نفسه أمام مسؤولية مضاعفة: فالتشخيص العلني يستدعي علاجاً علنياً، وإجراءات ملموسة تعيد الثقة إلى أصحاب الحقوق، ما يميز هذا الاعتراف أنه لم يأتِ بصيغة تبريرية، بل حمل في طياته نية واضحة للمحاسبة والتصحيح، فحين تُذكر الأسباب، وتُحدد مواطن الخلل، يصبح الطريق ممهداً لإصلاح حقيقي لا يكتفي بالمسكنات، كحبات “البندول”.
إن مواجهة المشكلات بشجاعة هي الخطوة الأولى نحو حلها، وما جرى مؤخراً قد يكون بداية لنهج جديد قوامه الشفافية والمساءلة، ويبقى الرهان على ترجمة هذا الاعتراف إلى أفعال تُنصف الموظف المنهك، وتعيد التوازن إلى منظومة العمل المالي.
الشفافية التي انتهجها الوزير ليست مجرد اعتذار، بل هي خريطة طريق لمحاسبة المقصرين، وإن توعده بنشر أسماء الجهات المعرقلة يمثل قمة المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه لقمة عيش الموظف، هو لا يبرر التأخير، بل يحدد العلة ويطرح الدواء في تعميم ملزم وصارم.
انتقل الخطاب المالي من الجمود البيروقراطي إلى ملامسة أوجاع الناس بصدق، حديث الوزير عن “توطين الرواتب” وحلول جذرية “لكبار القدر” يعكس رؤية عصرية لدولة تحترم إنسانها، نحن أمام عقلية إدارية تؤمن أن الحقائق المجردة هي أقصر طريق لبناء الدولة.
هذا الوضوح هو ما يحتاجه الشارع السوري اليوم لترميم جسور الثقة مع الحكومة، حين يقول الوزير إن الملف “يؤرقه”، دليل على أن باله مشغول في هذا الموضوع ويفكر بشكل جدي لحله، الشفافية الحقيقية لدى المسؤول هي أن يضع يده على الجرح ويأخذ الخطوة الأولى في علاجه.