في زمن سباق الممرات.. سكة حلب ترسم خريطة التجارة الإقليمية المتكاملة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية ـ نهلة أبو تك:
ليس مجرد خط حديدي جديد يُرسم على الخريطة، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع اقتصادياً بين الشمال السوري والعمق الإقليمي، إعلان تركيا نيتها تمديد شبكتها الحديدية نحو حلب يضع المدينة، التي لطالما كانت عقدة تجارية، أمام اختبار جديد هل تستعيد دورها كمحور عبور، أم تبقى على هامش التحولات الجارية؟
في هذا السياق، يقدّم الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش قراءة مختلفة للمشروع، معتبراً في تصريح خاص لصحيفة “الحرية” أن ما يجري يتجاوز إطار النقل، ليصل إلى إعادة تشكيل البنية الجيو-اقتصادية للمنطقة، ويوضح أن المشروع، الذي تقدر تكلفته بنحو 110 ملايين دولار، لا يمثل مجرد ربط جغرافي بين تركيا وسوريا، بل يشكل جزءاً من منظومة أوسع لممرات العبور وسلاسل التوريد التي تتشكل تدريجياً في الشرق الأوسط.
ويشير عربش إلى أن الربط المقترح بين جنوب تركيا وشمال سوريا، عبر محور حلب– دمشق، يعكس توجهاً استراتيجياً لدمج القاعدة الصناعية التركية مع الجغرافيا السورية، التي تمتلك موقعاً محورياً يتيح لها أن تكون حلقة وصل بين عدة أقاليم اقتصادية، ويضيف أن إعادة تشغيل الشبكة الحديدية السورية، المتوقفة منذ ما قبل عام 2011، تمثل خطوة أساسية لإعادة إدماج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي، واستعادة جزء من دورها التاريخي كممر تجاري.

ضرورة اقتصادية

وبحسب رؤية عربش، فإن التحول نحو النقل السككي ليس خياراً تقنياً فقط، بل ضرورة اقتصادية، نظراً لما يوفره من تخفيض كبير في تكاليف الشحن مقارنة بالنقل البري، إضافة إلى قدرته على تحقيق استقرار أكبر في حركة البضائع، ويؤكد أن هذا العامل كفيل بإحداث تأثير مباشر على الأسواق، من خلال خفض تكاليف السلع وتحسين كفاءة التوريد، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على القدرة الشرائية داخل السوق السورية.
ويرى عربش أن المشروع قد يفتح الباب أمام تدفقات تجارية جديدة، وخاصة في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية، حيث يمكن نقل الحبوب والمنتجات الزراعية من شمال شرق سوريا، إضافة إلى الفوسفات، باتجاه الموانئ التركية، ومن ثم إلى الأسواق الخارجية، بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
وهذا التحول، وفقاً “لعربش” لا يعزز فقط التبادل التجاري، بل يخلق أيضاً فرصاً لإعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع داخل سوريا، كما يلفت إلى أن لهذا الربط بعداً مهماً يتعلق بالأمن الغذائي، إذ يسهم في تسريع حركة الإمدادات بين الدول، وتقليل زمن النقل، ما يعزز استقرار الأسواق ويخفف من تقلبات الأسعار، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه سلاسل التوريد على المستوى العالمي. ويؤكد أن سرعة الوصول إلى الأسواق أصبحت عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه.

سباق الممرات

وفي قراءة أوسع، يؤكد عربش أن المشروع يأتي ضمن تحولات جيو-اقتصادية متسارعة، حيث تتجه الدول إلى إعادة رسم خريطة التجارة عبر إنشاء ممرات اقتصادية متكاملة، تتجاوز الحدود التقليدية، وتعيد توزيع مراكز القوة الاقتصادية، ويشير إلى أن الربط السككي بين تركيا وسوريا قد يكون جزءاً من شبكة أكبر تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، ما يمنح المنطقة موقعاً متقدماً في حركة التجارة العالمية، خاصة إذا تم ربطه بمشاريع نقل وطاقة موازية.
ويضيف إن المنطقة تشهد اليوم ما يمكن وصفه بـ”سباق الممرات”، حيث تسعى الدول إلى تأمين موقع لها ضمن خطوط التجارة الجديدة، سواء عبر الموانئ أو السكك الحديدية أو خطوط الطاقة. وفي هذا السياق، فإن أي مشروع يربط بين آسيا وأوروبا مروراً بسوريا يحمل قيمة استراتيجية مضاعفة، لأنه لا يختصر الزمن والتكلفة فحسب، بل يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية بين الدول.

بين الإعلان والتطبيق

ورغم هذه الفرص، لا يغفل عربش التحديات التي قد تعترض تنفيذ المشروع، مشيراً إلى أن البنية التحتية داخل سوريا تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية وتنسيقاً تقنياً عالياً، كما أن الاعتبارات الأمنية والسياسية تبقى عوامل مؤثرة في تحديد مسار التنفيذ وسرعته، وخاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.
كما يشير إلى أن غياب وضوح التفاصيل المتعلقة بآليات التنسيق بين الجانبين السوري والتركي يطرح تساؤلات حول الإطار التنفيذي للمشروع، ومدى قدرته على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التطبيق الفعلي. فالكثير من المشاريع الطموحة، بحسب تعبيره، تتعثر عند هذه النقطة تحديداً.
وفي الجانب السياسي، يرى عربش أن مثل هذه المشاريع قد تمثل مدخلاً عملياً لإعادة بناء العلاقات بين الدول، حيث يمكن للمصالح الاقتصادية المشتركة أن تفتح قنوات تواصل تدريجية، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية، ويؤكد أن التجارب الدولية تظهر أن الاقتصاد غالباً ما يمهد الطريق أمام التفاهمات السياسية، وخاصة عندما تكون المصالح المباشرة واضحة.

إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي

وعلى المستوى المحلي، يشير عربش إلى أن مدينة حلب ستكون في صلب المستفيدين من هذا المشروع، نظراً لما تمتلكه من قاعدة صناعية وتجارية، ما قد يسهم في إعادة تنشيط الحركة الاقتصادية وخلق فرص عمل، إضافة إلى إعادة ربطها بالأسواق الخارجية بعد سنوات من العزلة النسبية.
ويختم عربش بالتأكيد على أن مشروع سكة حلب لا يمكن اعتباره مجرد استثمار في البنية التحتية، بل خطوة ضمن عملية إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي، مشيراً إلى أن نجاحه سيعتمد على قدرة الأطراف المعنية على تحويله إلى جزء من شبكة ممرات اقتصادية متكاملة، وليس مشروعاً منفرداً.
وبين الفرص الكبيرة والتحديات القائمة، يبقى المشروع اختباراً حقيقياً لقدرة المنطقة على الانتقال إلى نموذج اقتصادي قائم على الربط والتكامل، في وقت أصبحت فيه السيطرة على مسارات التجارة أحد أبرز عوامل القوة في العالم، ما يجعل من سكة حلب أكثر من مجرد خط نقل… بل مشروعاً لإعادة تعريف الدور الاقتصادي لسوريا في المرحلة المقبلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار