الحرية- لمى سليمان:
تعتبر الثقة المصرفية ركيزة أساسية في الاقتصاد وحجر زاوية في تطوير النظام المصرفي، فالمصارف لم تعد مجرد “دكاكين لحفظ المال”، وإنما وسيلة استثمار وادخار وتمويل. ومع دخول سوريا النظام المالي العالمي الجديد، تستجد قضية الثقة المصرفية وضرورتها كعامل أساسي وحتمي للاندماج الآمن و اليسير.
ويبقى موضوع الثقة المصرفية لازماً ومُلزماً بشروط عديدة يتحدث عنها الخبير الاقتصادي فراس شعبو، موضحاً في تصريح لـ”الحرية” أن موضوع الثقة في الاقتصادات وخاصة الاقتصادات الهشة واقتصاد ما بعد الصراع هو موضوع شديد الأهمية ويمكن اعتبار الثقة هي رأس مال وتحل محل رأس المال في كثير من المواضع، أي إن الثقة المصرفية أساساً لا تُبنى دون تجربة مصرفية موثوقة يومية لا يمكن القول إن هناك ثقة مصرفية والمصارف هشة، تكون هناك ثقة مصرفية من خلال حماية الودائع بمعنى أن يكون هناك إعلان حكومي واضح لحماية الودائع حتى سقف معين، أي يتم ارسال رسالة للمودعين بأن أموالك لن تضيع، لأن الدولة ضامنة وراعية لهذه الأموال.
إضافة إلى نقطة أساسية وهي حرية الوصول إلى الأموال في البنك والقدرة على سحب الأموال من البنوك بعد إيداعها وبالتالي تقليل القيود على سحب وتحسين السيولة وهو أمر غاية الأهمية في بناء الثقة ما بين المصارف والمجتمع.
ومن المهم جداً،كما يفترض شعبو، أن يكون هناك استقرار نقدي، أي إن لا تكون هناك قيمة متذبذبة لسعر الصرف، كون هذا الأمر سيؤدي إلى هروب الأموال من المصارف وإيداعها في استثمارات أكثر استقراراً مثل الذهب والدولار وبالتالي ضبط الكتلة النقدية والتضخم، ومن المهم أن لا يكون هناك سعران للصرف سعر رسمي وآخر مواز والذي لا يزال معتمداً في سوريا حتى الآن وهو يعتبر أمراً كارثياً يرتبط مباشرة باستقرار العملة.
وعلاوة عما سبق فإن الحوكمة والشفافية تعتبر أساسية لمعرفة جوانب الاقتصاد،على أن يُفصح المصرف المركزي عن قيمة الاحتياطيات أو الدولار، والاستثمارات وقيمة الذهب المتوافرة بشكل لحظي وليس فقط يومي.
والأهم من كل ما سبق، بحسب شعبو هو إصلاح القطاع الاقتصادي المصرفي، فهو للأسف قطاع منهك متهالك والمصارف أصبحت عبارة عن دكاكين لصرف الرواتب فقط بعد أن توقفت القروض والايداعات والاستيراد والتصدير.أي إن الحاجة لإعادة هيكلة البنوك أصبحت ضرورة ملحة.
ويتساءل الخبير شعبو: لماذا يفضل المواطنون الكاش؟ ببساطة لأنه يخاف من تجميد أمواله ويصبح من الصعب الحصول عليها في الوقت المناسب. كون ضعف البنية الرقمية كالانقطاعات و البطء في الشبكة يخلق صعوبة للمواطن في إتمام معاملاته في لحظه الاحتياج لها. وهناك مشكلة أخرى وهي عدم قبول الدفع الإلكتروني من قبل الكثير من التجار في سوريا، هناك قلة قليلة جداً ممن يعمل بمبدأ الدفع الإلكتروني. وبالتالي لن يكون هناك أي فرد أو مؤسسة أو شركة أو حتى مستثمر سيرضى أن يستخدم أساليب الدفع الإلكترونية من دون وجود طرف مقابل يقبل بها؟
ويتحدث شعبو عن انتشار ما سمي باقتصاد غير رسمي في سوريا وهو أمر واضح وأصبح هذا الاقتصاد غير الرسمي أو غير المقونن يشكل 70% من اقتصاد سوريا وربما أكثر. فالحل بحسب شعبو ليس تقنياً فقط بل سلوكياً ومؤسساتياً.
ولتحفيز المواطن والمستثمر على اعتماد الدفع الإلكتروني، كما يؤكد شعبو، تجب أن يكون هناك حوافز فعّالة كحسومات على الدفع الإلكتروني، كبعض الإعفاءات على الرسوم الحكومية عند استخدام الدفع الإلكتروني. ومن المهم أن يكون هناك إلزام في استخدام هذا الأمر، أو وجود قوة قانونية تفرض الأمر مثلاً كما في محطات الوقود أو الصيدليات أو السوبر ماركت. يجب أن يكون هناك إلزام تدريجي باستخدام أساليب الدفع الإلكتروني الممكنة عن طريق التجاري وأجهزة (البي او اس) منخفض التكلفة نوعاً ما.
وبالتأكيد فإن ربط الخدمات الاساسية للدولة مثل الضرائب والرسوم الجامعية مروراً بالفواتير والرواتب، يجب أن تكون الدولة رقمية أولاً حتى يتبعها السوق. فليس من المنطقي أن يتم إعطاء الرواتب للمواطنين وأن يقوموا بدفع الفواتير والضرائب والرسوم بطريقة يدوية ثم تتم مطالبتهم باتباع عملية الدفع الإلكتروني، فالمفروض أن تكون الدولة رقمية أولاً حتى يتبعها السوق. ويتابع شعبو: للحديث عن موضوع الثقة الرقمية، يجب أن تكون هناك حماية قوية من الاحتيال وحملات توعية واضحة. ومن المهم أن تكون التطبيقات البنكية قوية جداً ومحصنة.
إضافة إلى إمكانية التعويض في حال حصول خطأ ومن ثم إصلاحه، هذا الأمر يبني ثقة قوية بشكل أساسي. وهناك مخاطر تصعب وجود الثقة المصرفية فإساءة استخدام التطبيق الإلكتروني أو فرضه من دون ثقة سينتج عنه رفض شعبي. وفي حال وجود ضعف في البنية التحتية، ستفشل التجربة اذا كانت الرسوم مرتفعة وسيهرب المواطن من الرسوم عائداً إلى الكاش وبالأخص في حال وجود اختراقات وهكر واحتيال فستنهار الثقة.
الثقة المصرفية بين الشروط والضرورة
Leave a Comment
Leave a Comment