الخليج ما بعد الحرب على إيران.. شراكة بلا وصاية

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية – أمين سليم الدريوسي:

تشير المعطيات إلى أن الحرب على إيران لم تؤدِ إلى حسم استراتيجي، بل إلى حالة انتقالية غير مستقرة، حيث بقي النظام الإيراني قائماً وإن كان ضعيفاً، فيما تحملت دول الخليج التكلفة الأمنية والاقتصادية دون مشاركة حقيقية في القرار، في هذا السياق، تتجه دول الخليج إلى إعادة صياغة علاقتها مع الولايات المتحدة، منتقلة من نموذج «الحماية الأمنية» إلى نموذج «الشراكة المشروطة»، مع ميل متزايد نحو تنويع الشركاء وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.

تُشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة توزيع لأدوار الأمن الإقليمي، وتراجعاً في مركزية الولايات المتحدة كضامن حصري، وصعود مقاربات هجينة تجمع بين التحالف والاعتماد على الذات.

أولاً: السياق الاستراتيجي

لقد كشفت الحرب على إيران عن ثلاث حقائق رئيسية لا يمكن تجاهلها، فالحقيقة الأولى تتمثل في استمرار النظام الإيراني رغم الضربات الموجعة التي تلقاها، إذ لا توجد قوة داخلية قادرة على إسقاطه في المدى القريب، أما الحقيقة الثانية فتكمن في الفجوة الكبيرة في التخطيط لما بعد الحرب، حيث دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة العسكرية دون تصور واضح للنظام الإقليمي الذي ترغب في بنائه بعد انتهاء العمليات العسكرية، أما الحقيقة الثالثة والأكثر إيلاماً لدول الخليج هي تهميش هذه الدول في قرار الحرب رغم كونها المتضرر الأول والأكثر تضرراً من تداعياتها.

هذا الواقع يُحدث بيئة استراتيجية جديدة تتسم بعدم اليقين وتعدد السيناريوهات وارتفاع مخاطر الانزلاق إلى جولات تصعيد جديدة قد تكون أكثر عنفاً من سابقاتها.

ثانياً: التحولات في السلوك الخليجي

فيما يتعلق بالانتقال من الاعتماد إلى الشراكة المشروطة، لم تعد دول الخليج تقبل بدور المتلقي السلبي للحماية الأمريكية، بل تسعى اليوم إلى ضمانات أمريكية واضحة وقابلة للتنفيذ على الأرض، والمشاركة في آليات التحقق والرقابة على أي اتفاق مستقبلي مع إيران، ووجود عسكري أمريكي مستمر في المنطقة لكن بشروط جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي كانت سائدة قبل الحرب.

أما في مجال أمن المضائق، فقد أظهرت أحداث الحرب الهشاشة المذهلة لمضيق هرمز، ما يدفع دول الخليج اليوم نحو إنشاء إطار أمني متعدد الأطراف بقيادة أمريكية، وتقليل القدرة الإيرانية على التحكم بالممرات البحرية، وإعادة تعريف أمن الطاقة بوصفه قضية أمن قومي مباشر لا تقبل المساومة.

على صعيد العلاقة مع إسرائيل، كشفت الحرب عن فجوة ثقة متزايدة تجاه السلوك الإسرائيلي غير المنسق، ومخاوف عميقة من مغبة الانجرار وراء حسابات عسكرية إسرائيلية لا تراعي المصالح الخليجية، ما أدى إلى تجميد فعلي لمسار توسيع اتفاقات أبراهام في الوقت الحالي.

وفي مجال التحول نحو الاستقلال التكنولوجي، أصبح الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري، يُنظر إليه على أنه مخاطرة سيادية لا يمكن التغاضي عنها، وذلك بسبب إمكانية وصول واشنطن إلى البيانات الحساسة، وارتباط التكنولوجيا بالقرار السياسي الأمريكي المتقلب. ومِن نتائج هذا الوعي الجديد هي توجه متزايد نحو شركاء أوروبيين وآسيويين، والاستثمار في بناء قدرات محلية في مجال الذكاء الاصطناعي الدفاعي.

أما في ما يخص إعادة هندسة أدوات التأثير السياسي، فقد أدركت دول الخليج أن القنوات التقليدية مثل الأمم المتحدة والجامعة العربية أصبحت محدودة الفعالية، وأن التأثير الحقيقي يمر اليوم عبر آليات جديدة مثل «مجلس السلام» الذي أثبت حضوره كبديل ناشئ عن المنظومات الدبلوماسية التقليدية.

ثالثاً: التحديات البنيوية

الخليج العربي يواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي تعيق مساره نحو الاستقلال الاستراتيجي، أول هذه التحديات هو غياب بنية دفاعية خليجية موحدة، حيث لا يزال الفشل التاريخي في بناء نظام دفاع جوي مشترك يشكل عقبة كبرى، إضافة إلى استمرار الشكوك المتبادلة بين الدول الخليجية نفسها.

ثاني هذه التحديات هي هشاشة الداخل الاجتماعي، حيث توجد امتدادات اجتماعية وثقافية مع إيران في بعض الدول الخليجية، إضافة إلى مخاوف حقيقية من انتقال الاضطرابات الداخلية عبر الحدود إذا ما انهار الوضع الإيراني بشكل فوضوي.

ثالث هذه التحديات هو عدم وضوح مستقبل إيران، إذ تبقى ثلاثة سيناريوهات محتملة: بقاء النظام مع إضعافه، أو إصلاح تدريجي يقوده تيارات معتدلة داخل الحرس الثوري، أو انهيار مفاجئ وفوضوي لا يمكن لأحد توقع نتائجه.

رابع هذه التحديات هو طابع «الصفقات» الذي تعتمده السياسة الأمريكية، حيث يعاني الجانب الأمريكي من غياب رؤية طويلة المدى للمنطقة، واعتماد متزايد على الصفقات الآنية بدلاً من الاستراتيجيات المؤسسية المستدامة.

رابعاً: السيناريوهات المحتملة

أمام دول الخليج ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المنطقة بعد الحرب على إيران.

السيناريو الأول هو «الاحتواء المستقر»، الذي يقوم على اتفاق أمريكي – إيراني محدود، مع بقاء النظام الإيراني واستمراره، وضبط نسبي للتصعيد العسكري، وفي هذا السيناريو، سيكون الاستقرار هشاً مع استمرار التوترات تحت السطح، لكنه قد يمنح الخليج فرصة للتنفس وإعادة ترتيب أوراقه.

السيناريو الثاني هو «التصعيد المتكرر»، حيث يفشل أي اتفاق يتم التوصل إليه، وتستمر الضربات غير المباشرة بين الطرفين، ويصبح التهديد الدائم للممرات البحرية حقيقة قائمة، في هذا السيناريو، سيكون الضغط الاقتصادي والأمني مستمراً ومتصاعداً على دول الخليج، مع احتمال كبير للانزلاق إلى حرب شاملة.

السيناريو الثالث والأخطر هو «الانهيار المفاجئ للنظام الإيراني»، حيث تشهد إيران اضطرابات داخلية واسعة النطاق، يليها فراغ أمني خطير، مع احتمال انتقال الفوضى إلى دول الجوار، هذا السيناريو، رغم أنه قد يبدو مغرياً للبعض، إلا أنه الأكثر خطورة على الإطلاق، ويتطلب استعداداً مسبقاً وتعاوناً إقليمياً ودولياً غير مسبوق.

خامساً: التوصيات السياسية

بناءً على التحليل أعلاه، يمكن القول إن هناك مجموعة من التوصيات العملية الذي يجب ان تعتمدها دول الخليج في المرحلة المقبلة.

في مجال بناء إطار أمني جديد: إطلاق مبادرة أمن جماعي للممرات البحرية تضم الولايات المتحدة وحلفاء أوروبيين وآسيويين، وإشراك أوروبا كشريك موازن يحد من الهيمنة الأمريكية الأحادية ويمنح الخليج أوراق ضغط إضافية.

في مجال الدفاع الجوي: تسريع التكامل الدفاعي الخليجي وبناء منظومة دفاع جوي إقليمية موحدة، وتقليل الاعتماد على التأخير الأمريكي المزمن في صفقات التسليح عبر تنويع مصادر السلاح.

في مجال تنويع الشراكات: توسيع التعاون الاستراتيجي مع أوروبا وآسيا، والاستثمار الجاد في التصنيع الدفاعي المحلي ونقل التكنولوجيا بدلاً من الاكتفاء بالشراء الجاهز.

في مجال إدارة العلاقة مع واشنطن: وهنا يجب أن تتحول العلاقة من تبعية إلى شراكة تفاوضية قائمة على المصالح المتبادلة، وربط أي التزامات أمريكية بضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ في حال حدوث أي طارئ.

في مجال الاستعداد لسيناريو ما بعد إيران: يجب تطوير خطط طوارئ شاملة للتعامل مع موجات اللجوء المحتملة، والنخب الإيرانية الهاربة من النظام، والتحولات السياسية المفاجئة التي قد تشهدها طهران.

خلاصة القول فإن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بنتائج الحرب على إيران، بل بكيفية إدارة ما بعد الحرب، إذ تقف دول الخليج اليوم أمام لحظة تحول تاريخية حقيقية: إما الاستمرار في نموذج الاعتماد التقليدي على الحماية الأمريكية، مع كل ما يحمله من مخاطر وتهميش، أو الانتقال إلى نموذج الفاعل الإقليمي المستقل، الذي يبني قدراته الذاتية وينوع شراكاته ويؤسس لأمن إقليمي أكثر توازناً واستدامة.

جميع المؤشرات الحالية ترجح الخيار الثاني، لكن الطريق إليه طويل ومحفوف بالتحديات، الأيام والأشهر القادمة وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كانت دول الخليج قادرة على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى نقطة تحول حقيقية نحو مستقبل أكثر أماناً واستقلالاً.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار