الحرية – رحاب الإبراهيم:
تمتلك سوريا ثروة طبيعية غير مستثمرة تتمثل بالنباتات العشبية والعطرية، التي يدرك الأهالي في أرياف حماة قيمتها لكنهم لا يملكون السبل الصحيحة للاستفادة منها سواء تسويقياً أو عبر معرفة كيفية تصنيعها واستثمار خلاصتها العطرية والطبية، على نحو ينعكس بالإيجاب على معيشتهم المتهالكة.
هذا العام يبدو أن هذا الواقع بدأ يتغير نسبياً لكن ليس كما هو مطلوب بالاستناد إلى رغبة الأهالي بتحسين ظروفهم المعيشة، ونتيجة الهطولات المطرية الغزيرة، التي أرجعت إحياء الكثير من هذه النباتات، حيث ظهرت اعلانات من مراكز عديدة تدعو المواطنين في أرياف حماة إلى قطف نباتات محددة بأسعار جيدة بغية تشجيعهم على البحث عنها وبيعها، كالعنطريف والبابونج وروز ماري والزوفا والسلبين وغيرها من أعشاب ذات قيمة اقتصادية وصحية، استثمارها بشكل مجدٍ يسهم في تحقيق عائد ربحي للدولة عند الاستثمار الذكي، ويحسن الظروف الاقتصادية والمعيشية لأهالي الأرياف عبر تأمين مصادر دخل من الأراضي القريبة من مناطق سكنهم.
مراكز بيع
“الحرية” تواصلت مع الأهالي في بعض أرياف حماة الغنية بالنباتات العشبية والعطرية، التي لا يزال الكثير منها مجهولة بالنسبة لهم، لكن بعد انتشار الإعلانات عبر صفحات التواصل الاجتماعي لبعض القرى حول بيع بعض هذه النباتات وتحديد مراكز للبيع، سارع الأهالي إلى البحث عن بعض النباتات وخاصة غالية الثمن كالعنطريف، الذي حدد الكيلو منه بين ٣٥- ٤٠ ألف ليرة، وهنا تؤكد السيدة ردينة حسن “أم لخمسة أبناء” أنها بادرت فور انتشار خبر الإعلانات عن هذه النبتة بالتوجه إلى الأراضي في قريتها للبحث عنها، وفعلاً تمكنت من العثور عليها وجلبت عدة كيلو غرامات منها وكسبت مبلغاً بسيطاً يعينها على تأمين احتياجات عائلتها اليومية.
في حين تؤكد السيدة تجرة يوسف أن نبات العنطريف كان موجوداً بكثرة في أراضي أرياف مصياف، لكن لم يعد أحد يتحدث عنه منذ سنوات بسبب الجفاف وعدم تفكير الناس في البحث عنه أساساً، لكن يبدو أن سنة الخير المتمثلة بكثرة الأمطار أحيت هذا النبات وغيره، لذلك عاد إلى الأضواء من جديد، حيث يباع اليوم إلى المراكز بخمسين ألفاً، فكم المبلغ الذي تبيعه هذه المراكز إلى الشركات أو أصحاب محال العطارة او مراكز التجميل لاستخلاص فوائده العطرية والطبية.
كنوز تنتظر الاستثمار
ويذهب الشاب فهد سلوم الذي يبحث مع عائلته على النباتات المعلن عنها إلى أهمية معرفة أهالي القرى للنباتات العطرية والطبية، بحيث يستفيدون منها في تحسين معيشتهم، حيث توجد نباتات كثيرة مهمة جداً وذات قيمة اقتصادية وطبية كبيرة لكنها مجهولة للأهالي، علماً أن عدم استثمارها بالشكل الصحيح يضيع على الخزينة مبالغ كبيرة، مبيناً أن اكتشاف الكنوز الطبيعية تقع على عاتق أهل الاختصاص والخبرة، وأيضاً الجهات الحكومية، كوزارة الزراعة والصناعة، حيث يفترض بهما إيجاد آلية معينة لاستثمار هذه النباتات وتصنيعها بطرق تحقق جدوى اقتصادية وليس تصديرها “دوكما” بطريقة تقلل من القيم المضافة لهذه النباتات الهامة.
ويبين علام حسين أن الكثير من مراكز شراء النباتات البرية تستغل المواطنين الذين يبحثون عنها بقصد الحصول على مبلغ يعينهم في معيشتهم، فقد حددت هذه المراكز مبالغ معينة للشراء لكن عند قصدها للبيع يخفضون الأسعار في استغلال واضح لحاجة الناس وتعبهم لاسيما أن عملية البحث عن بعض النباتات مرهق.
آليات مجدية
“الحرية” قصدت أحد مراكز بيع النباتات العطرية والعشبية البرية، التي يقصدها الأهالي بقصد تحصيل بعض المال لتأمين احتياجاتهم المعيشية، حيث بين صابر العلي أهمية هذه النباتات وضرورة استثمار فوائدها الطبية والعطرية على نحو ينعكس بالفائدة على الأهالي في القرى وخزينة الدولة عند إيجاد طرق صحيحة للاستفادة منها، فاليوم يطلب التجار أو أصحاب محلات العطارة أنواعاً محددة من النباتات، التي نعلن عنها لتشجيع المواطنين على البحث عنها وبيعها بالأسعار المحددة، لكن يوجد نباتات كثيرة مجهولة ذات قيمة طبية واقتصادية كبيرة يفترض استثمارها وإنتاج آليات مجدية للاستفادة من مزاياها، التي قد لا تتواجد في بلدان أخرى.
ولفت العلي إلى أن الغاية من العمل في تجميع النباتات الطبية والعشبية مادية، فهو كأي مواطن يبحث عن تحسين دخله والتمكين من تأمين احتياجاته اليومية وخاصة أنه مريض ويحتاج إلى مبلغ كبير لتأمين أسعار الأدوية المكلفة، لذا يعمل كوسيط بين الأهالي في قريته والتجار في مدينة حماة، الذين يطلبون أنواعاً محددة من النباتات، ويحقق هامش ربح معين جراء هذه العملية، متمنياً أن يشمل جمع النباتات أنواعاً جديدة، حيث يوجد آلاف من الأعشاب غير المعروفة بالنسبة للأهالي، وفي حال معرفة مزاياها يمكنهم الاستفادة منها واستثمارها على نحو يحسن واقعهم الزراعي والمعيشي.

صيدلية طبيعية
تستخدم النباتات والأعشاب الطبية والعطرية لغايات طبية وعلاجية ولتحضير الزيوت العطرية لغايات صناعية، ونظراً لتنوع البيئات النباتية والطوابق المناخية، فإن كل المناطق السورية تنتشر فيها عائلات عديدة من الأعشاب الطبية، وتعدّ أعشاب جبال الساحل السوري صيدلية طبيعية تكفي العالم أجمع، كما تضم البادية بسهولها وجبالها أعشاباً متعددة اعتاد البدو والسكان المحليون استخدامها لغايات علاجية.
الخبير الزراعي المهندس عبد الرحمن قرنفلة، بين أن سورية تعد الموطن الأصلي للعديد من النباتات الطبية وذات المحتوى الجيد من المواد الفعالة، والتي يمكن أن تكون مادة أولية صالحة في مجال صناعة الأدوية الطبية النباتية، وقد بدأت العديد من معامل الأدوية بالاستفادة من النباتات الطبية النامية برياً في بيئتنا المتنوعة مناخياً كنبات الشيح الصحراوي ونبات القريص المنتشر في كثير من المحافظات ونبات الزعتر بأنواعه المختلفة ونبات الهيدرا وغيرها من النباتات، وتعمل البحوث العلمية الزراعية ضمن خططها البحثية على دراسة محتوى هذه النباتات من المواد الفعالة، وتحديد أفضل الطرق الزراعية لزيادة نسبتها وتحسينها، إضافة إلى إدخال نباتات جديدة ودراسة مدى تأقلم زراعتها في بلدنا للاستفادة من موادها الفعالة في الصناعات الصيدلانية كنبات الستيفيا (بديل السكر) والزعفران.
ليس بسيطاً
وشدد المهندس قرنفلة على أن العمل في جمع وتحضير ومعالجة وحفظ الأعشاب الطبية ليس بسيطاً، حيث يتطلب جهداً كبيراً لكون أغلب هذه الأعشاب تنمو في مناطق وعرة، والحصول عليها ومعرفة الأنواع المفيدة منها يحتاج إلى قواعد محددة يجب التقيد بها.
وبين المهندس الزراعي قرنفلة أن عدداً كبيراً من سكان الريف يقومون في الوقت الحالي بجمع الأعشاب الطبية في مواسمها وبيعها في الأسواق، إما طازجة أو بعد تجفيفها، على أن تباع للمستهلكين مباشرة أو لمحلات العطارة والعشابين، وهذه الطريقة لا تحقق جمع سوى نسبة بسيطة من الأعشاب الطبية المتاحة في البلاد، وبطبيعة الحال هناك حاجة لدراسات معمقة لتحقيق الاستفادة المثلى من الأعشاب الطبية تقوم بها مراكز البحث العلمي والجامعات.
أولوية ضرورية
وأكد الخبير الزراعي قرنفلة أن الاستثمار في مجال النباتات الطبية من المشاريع ذات الأولوية ولاسيما في الوقت الراهن كمشاريع متوسطة وصغيرة لدعم الأسر الريفية والمزارعين ووجود طلب على منتجاتها في السوق المحلية لما تحققه من جدوى اقتصادية لكونها تزرع في مناطق هامشية لا تؤثر على زراعة المحاصيل الاستراتيجية وتحقق عائداً مائدياً للمزارعين، كما أنها غير مكلفة من ناحية مستلزمات ومتطلبات الإنتاج: (الأسمدة وعمليات الخدمة وغيرها) ومن جهة أخرى تتمتع النباتات الطبية بفترة صلاحية طويلة مقارنة مع محاصيل الخضار والفاكهة، فهي لا تحتاج إلى تكلفة مادية ومتطلبات للتخزين في أماكن خاصة كغيرها من المنتجات (كتخزين الخضار المبرد)، إضافة إلى الأرباح التي تحققها شركات الإنتاج الزراعية والمستثمرون في هذا المجال من خلال زراعة النباتات الطبية التصديرية والمرغوبة عالمياً كزراعة الكمون وحبة البركة وغيرها، والتي ترتبط أسعارها بالأسواق العالمية.
معوقات عديدة
وشدد الخبير قرنفلة على أن الاستثمار في النباتات الطبية والعطرية يواجه معوقات عديدة منها صغر الحيازات، وضعف التمويل وصعوبة العملية التسويقية، وارتفاع تكاليف الإنتاج وغيرها من صعوبات تحد من استثمارها والاستفادة من خصائصها الهامة.
خريطة للنباتات الطبية والعطرية
وبين الخبير قرنفلة أن مؤتمر النباتات الطبية والعطرية المنعقد بدمشق في آب عام 2022 أوصى بــ (وضع خريطة للنباتات الطبية والعطرية تظهر الفرص الاستثمارية لهذه النباتات)، وإحداث أطلس للنباتات الطبية والعطرية، حتى يكون الإنتاج على درجة جيدة من الكفاءة والنوعية والميزة النسبية، علماً أن المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والاراضي القاحلة سبق أن أصدر موسوعة اطلس النباتات الطبية والعطرية في الوطن العربي ويقوم بتحديثه حالياً.