الحرية ـ أمين سليم الدريوسي:
لم يكن صدور القرار رقم (73) عن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية أمس، والقاضي بتشكيل «مجلس المصدرين السوريين»، مجرد إجراء إداري يضاف إلى أرشيف القوانين الناظمة للتجارة، بل جاء بمثابة إعلان رسمي عن تحول في «العقيدة الاقتصادية» للدولة، التي تحاول اليوم العبور من ضفة «اقتصاد الأزمة» القائم على الانكماش وتقييد الاستيراد، إلى ضفة «اقتصاد التعافي» المرتكز على مأسسة التصدير كقاطرة وحيدة لترميم الناتج المحلي الإجمالي.. وفي توقيت حساس تتقاذف فيه أمواج الجيوسياسة أسعار الطاقة العالمية وتضطرب فيه سلاسل التوريد عند مضيق هرمز، تبدو هذه الخطوات السورية محاولة استراتيجية لفك الارتباط بالعشوائية التجارية، والاتجاه نحو «حوكمة سيادية» للقطاع التجاري تواكب طموحات مرحلة ما بعد التحول.
أولاً: من الارتجالية إلى المأسسة.. فلسفة «القرار 73»
على مدار العقد الماضي، عانى قطاع التصدير السوري من تشظّي المبادرات وغياب المظلة المؤسسية الموحدة، حيث كانت الجهود التصديرية تتوزع بين غرف التجارة والصناعة والزراعة بشكل افتقر للتنسيق، ما أدى إلى فقدان «الهوية التسويقية» للمنتج الوطني. وهنا يأتي تشكيل «مجلس المصدرين السوريين» ليكون بمنزلة «المظلة الوطنية» التي تجمع شتات هذه القوى تحت إشراف حكومي مباشر، محولاً المُصدر من مجرد «تاجر باحث عن ربح سريع» إلى «شريك استراتيجي» في رسم السياسة النقدية .
ويستند القرار إلى القانون رقم (3) لعام 2016 والقرار الرئاسي رقم (9) الصادر في 25 آذار 2025، وينص على أنه يهدف المجلس إلى تطوير العملية التصديرية في سوريا بالاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، وإيجاد بنية مؤسساتية مهنية معنية بتنظيم عمل المصدرين السوريين، وتصنيفهم قطاعياً ومتابعة شؤونهم المهنية، كما سيعمل المجلس على التنسيق مع هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات لإعداد الخطط والتوصيات المتعلقة بقطاع التصدير، على أن تُرفع إلى وزارة الاقتصاد للحصول على موافقة الوزير .
إن إخضاع هذا المجلس لإشراف الوزارة يهدف إلى ضبط إيقاع التوازن الدقيق بين تعظيم الصادرات لرفد الخزينة بالقطع الأجنبي، وبين حماية «الأمن الغذائي المحلي»، ففي ظل الارتفاع العالمي المستمر في أسعار السلع، يحتاج صانع القرار إلى آلية تضمن عدم تصدير الفائض على حساب احتياجات المواطن، وفي الوقت نفسه تذليل العقبات البيروقراطية التي كانت تحول دون وصول السلع السورية إلى الأسواق الإقليمية بكفاءة وتكلفة منافسة.
ثانياً: لغة الأرقام.. فجوة المليارات وفرص التعافي
بالتوازي مع التنظيم الإداري، يبرز قرار إحداث «السجل الوطني للتصدير» كخطوة تقنية هي الأولى من نوعها في تاريخ التجارة السورية، حيث ستتولى دائرة متخصصة في هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات مسؤولية وضع نظام شامل لتسجيل الشركات المصدرة وشركات خدمات التصدير، وتنظيم وتبويب البيانات المتعلقة بها بما يخدم قطاعي الإنتاج والتصدير.
وهذا التوجه المؤسسي يأتي في وقت تُظهر فيه الأرقام الموثقة تقدماً ملموساً، لكنها ترسم أيضاً صورة واقعية لحجم التحدي فالصادرات السورية خلال النصف الأول من عام 2025 حققت نمواً بنسبة 39% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، بقيمة وصلت إلى 500 مليون يورو (نحو 587 مليون دولار)، توجهت إلى 90 بلداً حول العالم، ومع ذلك، تظل هذه الأرقام متواضعة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فصادرات عام 2025 لا تمثل سوى 5.11% فقط من صادرات عام 2010 التي بلغت 11.353 مليار دولار، ما يعني أن الفجوة كبيرة حتى مع افتراض نمو الصادرات في النصف الثاني من العام .
هيكل الصادرات والاعتماد على المواد الخام
بالنظر إلى التركيبة التصديرية، نلاحظ اعتماداً كبيراً على المواد الخام والمنتجات الزراعية، ما يعكس تراجعاً في قطاع الصناعة التحويلية، فقد استحوذت المنتجات الزراعية على نحو 64% من إجمالي الصادرات السورية، أي ما يزيد على 320 مليون يورو (376 مليون دولار)، وشملت أبرز المنتجات الخضراوات والفاكهة الطازجة والزعتر والمجففات والحبوب والزيتون وزيت الزيتون .
أما على صعيد الصادرات الصناعية، فقد حققت الصناعات الكيميائية 47% منها «وهي في الغالب مواد أولية»، والصناعات الغذائية 17% «60 مليون يورو»، والصناعات النسيجية 15% «80 مليون يورو»، كما بلغت صادرات الفوسفات 140 ألف طن، مع الإشارة إلى أن سوريا تعد من أكبر خمس دول منتجة للفوسفات عالمياً باحتياط يقدر بـ 2.1 مليار طن.
العجز التجاري.. الفجوة الكبيرة
في المقابل، تشير تقديرات تجارية إلى أن واردات سوريا هذا العام قد تصل إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 2010، أي بحدود 60 مليار دولار، مقابل صادرات لا تتجاوز المليار دولار، وهذا يعني أن العجز التجاري يظل التحدي الأكبر الذي تواجهه السياسة الاقتصادية السورية.
وتُعد صادرات زيت الزيتون من أبرز قصص النجاح في القطاع التصديري السوري، حيث حققت عوائد بلغت 310 ملايين دولار خلال عام 2024، ما يعكس إمكانات كبيرة لتنمية هذا القطاع الحيوي.
ثالثاً: الميزان التجاري في مهبّ التوترات الجيوسياسية
الاختبار الحقيقي لهذه الإصلاحات يكمن في قدرتها على مواجهة المتغيرات العالمية، فمع وصول أسعار النفط لمستويات قياسية «فوق 100 دولار للبرميل» نتيجة أزمة مضيق هرمز، تجد سوريا نفسها مضطرة لتسريع وتيرة التصدير لتغطية فاتورة الطاقة المتصاعدة.
وقد أعلن الرئيس أحمد الشرع أن موازنة سوريا لعام 2026 تبلغ 10.5 مليارات دولار، بزيادة تقارب 5 أضعاف مقارنة بموازنة 2024، مع توقعات بأن يصل الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري إلى ما بين 50 و65 مليار دولار، بما يعيده إلى المستوى الذي كان عليه في 2010 ، كما أشار إلى أن البلاد سجلت «لأول مرة» فائضاً في الموازنة، مع تخصيص 3 مليارات دولار لدعم البنية التحتية.
معبر نصيب.. بوابة الترانزيت الإقليمي
وتبرز هنا أهمية تحويل سوريا إلى «منصة ترانزيت إقليمية» عبر تفعيل معبر نصيب الحدودي مع الأردن والاتفاقيات التجارية التي تم توقيعها مؤخراً إضافة للاتفاقيات مع غيرها دول الجوار، فقد شهد المعبر تحسناً ملحوظاً في تنظيم حركة الشاحنات بعد تطبيق إجراءات جديدة لتنظيم الشحن عبر المنافذ البرية، وهذا يمنح المنتج السوري ميزة تنافسية جغرافية تعوضه عن ارتفاع تكاليف الشحن الدولي.
ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بـ «جدار العقوبات» الدولية الذي لا تزال تعيق بعض الشيء لسلاسل التوريد والتحويلات المالية، وهنا يأتي الدور «الدبلوماسي الاقتصادي» للمجلس الجديد، إذ يُنتظر منه ابتكار قنوات دفع بديلة واعتماد نظم «المقايضة السلعية» أو «التبادل بالعملات المحلية» مع الشركاء التجاريين الإقليميين «مثل العراق والأردن»، للالتفاف على هيمنة الدولار وتقليل الاعتماد على النظم المالية التقليدية.
هل تكتمل حلقة التعافي ما وراء التنظيم؟
إن النجاح الحقيقي لـ «القرار 73» لن يقاس بجمالية الصياغة القانونية، بل بمدى قدرة هذه الهياكل الجديدة على التحول من «أدوات تنظيمية» إلى «محفزات نمو» حقيقية، فالنجاح الحقيقي لمجلس المصدرين السوريين لن يقاس بعدد اجتماعاته، بل بقدرته على خفض كلفة المنتج السوري ليصبح منافساً في الأسواق الدولية.
استشرافاً للمستقبل، يبدو أن عام 2026 سيكون عام «الامتحان الكبير» للسياسة التجارية السورية. فإذا نجحت دمشق في استغلال موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين المتوسط والخليج، واستطاع «السجل الوطني للتصدير» تقديم بيانات دقيقة تجذب الاستثمارات الخارجية، فإننا قد نشهد بداية تراجع تدريجي في عجز الميزان التجاري لأول مرة منذ سنوات طويلة.
إن الطريق نحو «اقتصاد تصديري» ليس مفروشاً بالورود، إذ لا يخلو من التحديات في ظل أزمات الطاقة العالمية وتشابك سلاسل التوريد، لكن المأسسة هي الخطوة الأولى والضرورية لمنع الانزلاق نحو مزيد من التضخم.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستواكب السياسة النقدية هذه الإصلاحات الهيكلية بمرونة تضمن للمُصدر والمستثمر بيئة آمنة؟ الأيام القادمة، وحجم التدفقات عبر «السجل الوطني»، هي من سيعطي الإجابة النهائية.