الحرية- ياسر النعسان:
في مثل هذا اليوم، السابع عشر من نيسان، لا يمرّ التاريخ السوري مرورًا عابرًا، بل يتوقف طويلًا عند لحظة فارقة غيّرت مسار أمة بأكملها. يوم الجلاء ليس مجرد تاريخ يُحفظ في الكتب أو مناسبة تُلقى فيها الخطب، بل هو قصة شعبٍ قرر أن يكتب مصيره بيده، وأن يطوي صفحة الاحتلال الفرنسي بعد سنواتٍ من القهر والمقاومة.
اختصاصي التاريخ مهند شاهين أشار إلى أنه في عام 1946، خرج آخر جندي فرنسي من الأراضي السورية، لكن ما خرج معه لم يكن فقط جيشًا محتلًا، بل حقبة كاملة من الوصاية والإملاءات الأجنبية. خلف هذا الرحيل كانت هناك حكايات لا تُحصى من التضحيات، من رجالٍ ونساءٍ حملوا حلم الاستقلال في قلوبهم، ودفعوا ثمنه دمًا ونفيًا وسجونًا.
وبين شاهين أن الثورة السورية الكبرى عام 1925 كانت واحدة من أبرز تجليات هذا النضال، لكنها لم تكن الوحيدة. فقد تتابعت الانتفاضات، وتراكمت الضغوط السياسية، حتى وصلت البلاد إلى لحظة الجلاء. تلك اللحظة التي شعر فيها السوريون للمرة الأولى أن الأرض لهم، وأن القرار بات بأيديهم.
حرية الإنسان داخل وطنه
لكن، هل كان ذلك هو الاكتمال الحقيقي لمعنى الحرية؟
اختصاصية التاريخ انتصار العلي بينت أنه بعد عقود من الاستقلال، وجد السوريون أنفسهم أمام سؤال لم يكن أقل إلحاحًا من سؤال التحرر من الاستعمار: ماذا عن حرية الإنسان داخل وطنه؟ ماذا عن الكرامة، والعدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟
وهنا، تعود الذاكرة إلى عام 2011، حسب العلي حين خرجت جموع السوريين في شوارع المدن والقرى، تهتف للحرية ذاتها التي نادى بها أجدادهم قبل عقود. فلم تكن تلك اللحظة منفصلة عن تاريخ الجلاء، بل كانت امتدادًا طبيعيًا له، وكأن التاريخ يعيد طرح السؤال نفسه بصيغة جديدة: هل يكفي أن يرحل المحتل، أم إن الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما يكون الإنسان حرًا في وطنه؟
روح الثورة نفس روح الجلاء
اختصاصي التاريخ رائد مشهور أكد أن الثورة السورية حملت في طياتها نفس الروح التي صنعت الجلاء: روح التحدي، والإصرار، والإيمان بأن الحرية ليست خيارًا ثانويًا، بل حقٌ لا يمكن التنازل عنه. ورغم كل ما واجهته من صعوبات وتعقيدات، فقد أعادت تعريف مفهوم الوطن لدى ملايين السوريين، وربطت بين الأرض والإنسان في معادلة لا تنفصل.
وأشار مشهور إلى أن الربط بين عيد الجلاء وانتصار الثورة السورية لا يعني مقارنة ظرفين مختلفين، بل قراءة التاريخ كمسار واحد متصل. مسار يبدأ من مقاومة الاحتلال الخارجي، ولا ينتهي إلا بتحقيق سيادة الإنسان على حياته وقراره. فالوطن لا يكتمل تحرره إلا عندما تتحقق كرامة أبنائه، وعندما يصبح القانون فوق الجميع، والعدالة أساس الحكم.
سوريا حرة بحق
ونحن بدورنا نشير إلى أن اليوم، ومع كل ذكرى للجلاء، لا يستعيد السوريون فقط صور الماضي، بل يعيدون طرح الحلم ذاته: أن تكون سوريا حرة بحق، لا مجرد أرض مستقلة بالاسم، بل دولة يعيش فيها الإنسان مرفوع الرأس، آمنًا على مستقبله، مشاركًا في صناعة قراره.
عيد الجلاء، بهذا المعنى، ليس محطة انتهت، بل وعد لم يكتمل بعد. وعدٌ بدأ بخروج المستعمر، ويستمر في كل صوتٍ يطالب بالحرية، وفي كل خطوة تُقرّب السوريين من وطنٍ يشبه تضحياتهم.
إنها حكاية وطنٍ لم يتوقف يومًا عن البحث عن حريته… وربما، لا يزال يكتب فصولها حتى الآن.