الحرية- جهاد اصطيف:
تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب تحديات اقتصادية وتنموية معقدة، تتطلب البحث عن أدوات تمويل فعالة وقادرة على دعم عملية إعادة الإعمار بشكل مستدام، وفي ظل محدودية الموارد التقليدية وارتفاع المخاطر، يبرز التمويل الإسلامي كأحد الخيارات التي تحظى باهتمام متزايد، لما يوفره من صيغ تمويلية قائمة على الشراكة وتقاسم المخاطر.
وفي هذا السياق، تحدث الدكتور هشام عبد الوهاب أستاذ الاقتصاد في جامعة غازي عنتاب- فرع الباب عن دور المصارف الإسلامية في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا، والتحديات التي تواجهها، والآفاق المستقبلية لهذا القطاع.
أداة تمويل فعالة لمشاريع إعادة الإعمار
أوضح الدكتور عبد الوهاب لـ”الحرية ” أن إعادة الإعمار في سوريا لا تقتصر على البناء العمراني فحسب، بل تشمل جوانب أخرى لا تقل أهمية مثل إعادة بناء الاقتصاد والنسيج الاجتماعي، معتبراً أن المصارف الإسلامية، بما تمتلكه من أدوات تمويلية متنوعة، خياراً حيوياً في تمويل مشاريع إعادة الإعمار.
أدوات التمويل الإسلامي
وأضاف الدكتور عبد الوهاب: المصارف الإسلامية تمتلك أدوات تمويلية مبتكرة مثل المشاركة، المضاربة، الاستصناع، والصكوك الإسلامية التي يمكن أن تساهم بشكل فعال في تمويل مشاريع إعادة الإعمار، وأوضح على سبيل المثال أن الاستصناع يعتبر أداة تمويلية مثالية للمشاريع الإنشائية طويلة الأجل، كبناء المنشآت السكنية والمرافق العامة، إذ يعتمد هذا النوع من التمويل على تسديد الأقساط على مراحل وفقاً لتقدم العمل.
وتابع : أما الصكوك الإسلامية التي يمكن تفعيلها كأدوات سيادية أو تجارية فهي، بحسب عبد الوهاب، تمثل فرصة كبيرة لجذب الاستثمارات وتوجيه المدخرات نحو المشاريع الحيوية التي تحتاجها سوريا في هذه المرحلة، مثل البنية التحتية والمشاريع الكبرى.
التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية
لم يغفل الدكتور عبد الوهاب التحديات الكبيرة التي تواجه المصارف الإسلامية في سوريا، حيث قال: رغم الإمكانات الكبيرة التي تقدمها أدوات التمويل الإسلامي، فإن هناك عدة صعوبات، أولها البيئة الاستثمارية غير الجاذبة، لأن سوريا ما تزال تفتقر إلى الأطر التشريعية اللازمة لدعم هذه الأدوات وتفعيلها بالشكل الأمثل.
كما أضاف إن المخاطر الاقتصادية الناتجة عن الوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد، مثل التضخم المرتفع، وتقلبات سعر الصرف، وضعف الاستقرار النقدي، تؤثر سلباً على قدرة المصارف الإسلامية على تقديم تمويل طويل الأجل، لافتاً إلى أنه بسبب هذه الظروف تقتصر غالبية عمليات التمويل في المصارف الإسلامية على التمويل قصير الأجل، ما يحد من قدرتها على دعم مشاريع إعادة الإعمار المستدامة.
توصيات وخطط المستقبل
وفيما يتعلق بالخطوات المستقبلية، أكد الدكتور عبد الوهاب أهمية تحسين الإطار التشريعي في سوريا، مشيراً إلى ضرورة إصدار تشريعات جديدة تشجع على استخدام الأدوات المالية الإسلامية، خصوصاً الصكوك الإسلامية، منوهاً بضرورة أن يتم إصدار تشريعات سيادية تشجع على إصدار الصكوك واستخدامها لتمويل المشاريع الكبرى.
واقترح أيضاً إنشاء سوق مالية إسلامية بالتعاون مع الدول الإسلامية المجاورة، لتسهيل تداول الأدوات المالية طويلة الأجل وضمان توفير التمويل اللازم للمشاريع الكبرى في سوريا.
كما أشار إلى ضرورة تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مؤكداً أن التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص ضروري لتسريع عملية إعادة الإعمار، بالإضافة إلى ضرورة تحسين إدارة المخاطر عبر تطوير أدوات تحوط ورقابة في المصارف الإسلامية.
أداة واعدة رغم التحديات
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، يرى الدكتور عبد الوهاب أن المصارف الإسلامية تظل واحدة من الأدوات المالية الواعدة التي يمكن أن تسهم بشكل فعال في تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، مضيفاً إن نجاح هذا الدور يتطلب بيئة تشريعية داعمة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون المحلي والدولي في هذا المجال.
وشدد في ختام حديثه على أن ما يقدمه اليوم من توصيات يشكل أساساً مهماً لوضع رؤية شاملة لإعادة بناء سوريا، بما يضمن الانتقال نحو اقتصاد مستدام قادر على التعافي على المدى الطويل.