الحرية ـ نهلة أبوتك:
لم تعد الأنقاض في المدن السورية مجرد مشهد يختصر سنوات الحرب، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى ملف اقتصادي واستثماري يفرض نفسه مع تصاعد الحديث عن إعادة الإعمار والاقتصاد الدائري، وبحسب بيانات وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، بلغت كميات الأنقاض التي تمت إزالتها عبر المشاريع الرسمية خلال أشهر شباط وآذار ونيسان من عام 2026 نحو 747 ألف متر مكعب، توزعت بين حلب واللاذقية وإدلب وحماة وريف دمشق، في رقم يعكس حجم الدمار من جهة، ويكشف في الوقت نفسه عن مورد ضخم يمكن أن يدخل في دورة الإنتاج والبناء إذا ما أُحسن استثماره.
ومع تزايد الحاجة إلى تخفيض تكاليف إعادة الإعمار في سوريا، بدأت الأنقاض تتحول تدريجياً من عبء خدمي وبيئي إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار، خاصة مع تصاعد الاهتمام بما يعرف عالمياً بـ«الاقتصاد الدائر»، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد والمواد الأولية بدلاً من التخلص منها كنفايات.
الاقتصاد الدائري يدخل ملف إعادة الإعمار
وهذا التوجّه الاقتصادي العالمي، الذي يُعلي من قيمة إعادة الاستخدام بدل الاستهلاك، وجد في سوريا أرضية خصبة لتطبيقه، حيث يؤكد الدكتور المهندس مصعب الشبيب أن ملف الأنقاض لم يعد قضية خدمية مرتبطة بإزالة الركام فقط، بل تحول إلى قضية اقتصادية وصناعية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مرحلة إعادة الإعمار، موضحاً أن الكتل الخرسانية والطوب والمعادن والزجاج الموجودة ضمن الأنقاض تمثل مواد أولية قابلة لإعادة الاستخدام ضمن مشاريع البنية التحتية والطرق وبعض الأعمال ال9
ويؤكد الشبيب لـ«الحرية» أن مفهوم الاقتصاد الدائري يقوم على إعادة إدخال الموارد في دورة الإنتاج بدلاً من استنزاف موارد جديدة، لافتاً إلى أن الأنقاض يمكن معالجتها عبر مراحل تبدأ بالتفكيك والفرز والنقل، ثم التكسير الميكانيكي والفصل، وصولاً إلى إنتاج الركام المعاد تدويره، والذي يستخدم في طبقات الطرق وأعمال الردم وبعض الخلطات الخرسانية.
ويشير إلى أن إعادة تدوير الأنقاض لم تعد تعتمد فقط على المعدات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بمنظومات حديثة تراقب جودة المواد وكفاءة عمليات الفرز والإنتاج، ما يسمح بتحويل هذه العملية إلى صناعة قائمة على التكنولوجيا والبيانات، وليس مجرد أعمال إزالة وترحيل.
الركام المعاد تدويره.. مورد اقتصادي جديد
وبحسب الشبيب، فإن أهمية هذا التوجه لا تقتصر على الجانب البيئي، بل تمتد إلى تخفيف الضغط على المقالع الطبيعية وتقليل استنزاف الموارد المحلية، إضافة إلى خفض كلفة مواد البناء، خاصة في ظل الارتفاع الكبير بأسعار الإسمنت والحديد والنقل خلال السنوات الأخيرة.
كما يوضح أن بعض الدراسات العالمية تشير إلى إمكانية خفض كلفة المواد الأولية المستخدمة في البناء بنسبة تتراوح بين 15 و30 بالمئة عند استخدام مواد معاد تدويرها وفق معايير هندسية مدروسة، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على تكاليف مشاريع إعادة الإعمار في سوريا مستقبلاً.
والاستفادة من الأنقاض في إعادة البناء ليست فكرة جديدة على مستوى العالم، إذ اعتمدت دول عديدة على إعادة تدوير الركام بعد الحروب والكوارث الكبرى، ففي ألمانيا استخدمت كميات ضخمة من الأنقاض في إعادة إعمار المدن بعد الحرب العالمية الثانية، بينما طورت اليابان منظومات متقدمة لمعالجة الركام بعد كارثة عام 2011، كما وصلت بعض الدول الأوروبية إلى نسب مرتفعة جداً في إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم.
وفي المنطقة، تبرز التجربة التركية بوصفها من أكثر التجارب القريبة من الحالة السورية، خاصة بعد الزلازل التي شهدتها خلال العقود الماضية، حيث تطور قطاع إعادة تدوير الأنقاض وتحول إلى جزء من منظومة إدارة الكوارث والبناء.
فرص استثمارية وتحديات هندسية
ورغم نجاح تجارب أخرى كالتجربة التركية، إلا أن نقلها إلى سوريا لا يخلو من تعقيدات فنية وتحديات هندسية، كما يوضح الخبير الإنشائي محمد المريجاوي لـ«الحرية»، مؤكداً أن استخدام الركام المعاد تدويره ممكن من الناحية الهندسية، لكنه يحتاج إلى ضوابط دقيقة تتعلق بجودة المواد وآليات الفرز والمعالجة، مؤكداً أن نجاح هذه التجربة يعتمد على وجود معايير فنية واضحة ومخابر قادرة على إجراء الاختبارات اللازمة.
ويبين المريجاوي أن استخدام المواد المعاد تدويرها يختلف بحسب نوع المشروع، فبعض الأنقاض يمكن أن تدخل في مشاريع الطرق والردميات والبنى التحتية، بينما تحتاج الأبنية السكنية والمنشآت الإنشائية إلى مواصفات أكثر دقة تتعلق بمقاومة الخرسانة والسلامة الإنشائية.
ويشير إلى أن إنشاء معامل معالجة قرب المناطق المتضررة يعد عاملاً مهماً لخفض تكاليف النقل وتحقيق جدوى اقتصادية حقيقية، خاصة مع الكميات الكبيرة المنتشرة في المحافظات السورية، لافتاً إلى أن غياب التنظيم والمعايير قد يؤدي إلى استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات، ما ينعكس سلباً على جودة مشاريع البناء مستقبلاً.
ومع تضخم حجم الأنقاض في سوريا، بدأ الملف يتجاوز الطابع الخدمي التقليدي ليقترب من كونه قطاعاً استثمارياً جديداً يمكن أن يوفر فرص عمل ويخلق صناعة مرتبطة بإعادة الإعمار وإدارة الموارد المحلية.
وفي وقت تتكدس فيه الأنقاض في المدن المتضررة، يبدو السؤال اليوم أبعد من مجرد إزالة الركام، ليتحول إلى كيفية تحويله من أثر للحرب إلى جزء من اقتصاد جديد يقوم على إعادة التدوير والاستدامة.