الحرية ـ صالح صلاح العمر:
في قرى جبل الزاوية الأشم التي أنهكتها الحرب، يعود الأهالي إلى بيوتهم التي لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل سنوات الثورة والنزوح، جدران متصدّعة، أسقف منهارة، وأبواب غابت عنها الحياة طويلاً، لكن رغم الخراب، يحاول العائدون إعادة ترميم ما هو أعمق من الحجر: الذكريات، والانتماء، والشعور بأن لهم بيتاً ما زال ينتظرهم.
ذكريات تفتح الجروح
في قرية عين لاروز عروس جبل الزاوية، تجلس أم مصطفى أمام منزلها، وهي تقول لـ«الحرية» إن عائلتها بعد سنوات من النزوح عادت إلى مسقط الرأس، ثم تشير إلى زاوية في البيت وتُدمدم: «هنا كانت سفرة العيد، وهنا كان الأولاد يلبسون ثيابهم الجديدة، وهنا كان أبو مصطفى «الشهيد» يساعدني في عمل كعك العيد، وتضيف: أما اليوم لا يوجد شيء كما كان، لكن مجرد عودتنا إلى أرضنا يعيد لنا شيئاً من الروح».
عائدون رغم الخراب.. من الخيمة إلى الغرفة المهدمة
العودة إلى القرية لم تكن نهاية المعاناة، بل بداية نوع آخر منها، فالبيوت المدمرة تحتاج إلى أيادٍ تعمرها، والجروح تحتاج إلى وقت لتندمل، والأطفال يحتاجون إلى عيد يليق بهم رغم كل شيء، إذاً العائلات العائدة إلى قرى الجبل تواجه واقعاً قاسياً، فالكهرباء شبه معدومة، والمياه تصل بصعوبة، وغلاء في الأسعار، فيما يعتمد كثيرون على ترميم جزئي لمنازلهم باستخدام مواد بسيطة أو بمساعدة الأقارب والجيران، بعضهم يسكن غرفة واحدة صالحة للحياة، بينما تبقى بقية أجزاء المنزل تحت الركام.
المواطن جهاد سمير العبد الله من قرية الموزة، وهو أب لثلاثة أطفال، يقول لـ«الحرية»: «إن العودة من الخيمة إلى القرية لم يكن قرار سهل، لكنها كانت ضرورة، ففي المخيم كنا غرباء، هنا على الأقل نحن بين أرضنا وذكرياتنا، نحاول أن نزرع من جديد، وأن نعيد ترتيب البيت المدمر ولو بإمكانيات بسيطة».
ومع اقتراب العيد، تبدو التحديات أكبر، فمعظم العائلات تعتمد على الأعمال اليومية أو المساعدات المحدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية، شراء ملابس جديدة للأطفال أصبح رفاهية بالنسبة للكثيرين، بينما تلجأ بعض الأمهات إلى إعادة تفصيل الملابس القديمة أو تبادلها بين الأقارب، أو شراء ألبسة مستعملة.
الجيران يتشاركون الفرح والحزن معاً
وحين لا تكفي الإمكانيات لصنع الفرح، تتدخل روح التضامن لتسدّ العجز، فالعيد في قرى جبل الزاوية ليس احتفالاً فردياً، بل قضية جماعية يتقاسمها الجيران قبل الأقارب.
أم ياسر من قرية كنصفرة، عادت إلى القرية وبيتها شبه أطلال، تصرح لـ«الحرية»: «العيد بالنسبة للأطفال فرحة، ونحن نحاول ألا يشعروا بحجم المعاناة، نصنع الحلويات في البيت بمواد بسيطة، ونجهّز ما نستطيع حتى يبقى للعيد معنى».
وفي الأسواق القريبة، تشهد الحركة التجارية نشاطاً خجولاً، إذ يشتري الأهالي الضروريات فقط، بعض العائلات تعتمد على ما تنتجه أراضيها الزراعية، فيما يتشارك الجيران الطعام ومستلزمات العيد في مشهد يعكس روح التضامن التي فرضتها الظروف، ويحيون سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره».
وتضيف أم ياسر: رغم الألم، يتمسك السكان بعاداتهم القديمة: تنظيف البيوت، إشعال الأضواء البسيطة، وتحضير القهوة واستقبال الأقارب الذين عادوا هم أيضاً من رحلة النزوح الطويلة.
مخيمات بلا خدمات ونازحون ينتظرون الكفالة
المواطن محمد عفلوك أبو زهران من سكان الغاب (القاهرة)، ومن الرجال الأوائل الذين خرجوا ضد نظام الطاغية وانضموا للثورة السورية العظيمة، وبعدها دخل سلك وزارة الدفاع، يقول: «عشنا النزوح بأنواعه المختلفة، من مخيمات الشمال إلى قرية كنصفرة في جبل الزاوية، بعد التحرير، مرت علينا ليالي الشتاء الماضي الباردة في بيت عبارة عن غرفة مهترئة، ينزل علينا المطر من كل حدب وصوب، حتى كنا نقضي ليلنا ونومنا في المطبخ، مضيفاً: الآن وضعنا تعبان جداً، ونحن مقبلون على عيد الأضحى، عندي ثلاثة أولاد، إذا لم تعطنا وزارة الدفاع الكفالة، لا أستطيع أن أشتري شيئاً للعيد، لأولادي الثلاث ولزوجتي، فالعين بصيرة واليد قصيرة، وإلى الله المشتكى، كما يقول ».
250 ألف نسمة في مخيمات الشمال
ومع أن مشاهد العودة تملأ القلوب أملاً، إلا أن آلاف العائلات لا تزال عالقة بين الخيام والجدران المتصدعة، تنتظر دورها في العودة أو تكافح من أجل البقاء حيث هي.
وحول هذا الموضوع يقول مدير منطقة أريحا محمود رمضان لـ«الحرية» إن هناك خطة واضحة من الحكومة لتقديم التسهيلات لأهلنا في المخيمات، لكي يعودوا إلى قراهم، بشكل مناسب، وأن نهاية عام 2026 وبداية عام 2027 لن يبقى خيم شوادر .
بدوره قال الناشط في مجال الإغاثة والإيواء عبد السلام محمد اليوسف لـ«الحرية» قائلاً: إن عدد المخيمات قبل التحرير كان تقريباً 1100 مخيم، موزعة بين الحكومتين «الإنقاذ والمؤقتة»، إلا أنه تقلص هذا العدد بعد التحرير إلى 450 مخيماً تقريباً، أي أن عدد النازحين حوالي 250 ألف نسمة، أما العائدون بعد التحرير إلى قراهم ومدنهم فتقريباً 600 ألف نسمة.
الخدمات سيئة للغاية
وأضاف اليوسف: بعد التحرير، أغلب المنظمات والجمعيات الأهلية هجرت المخيمات وتوجهت إلى الداخل السوري، ولم يبقَ إلا القليل منهم في المخيمات، هذه الخطوة تسببت بتراجع كبير في الخدمات.
وقال اليوسف: إن مديريات الشؤون والعمل سعت بشكل كبير لتوفير الخدمات للمخيمات، وخاصة في هذه الأيام الفضيلة «عيد الأضحى المبارك»، ولكن المأساة كبيرة والحمل أكبر من المتوقع.
وأضاف: المخيمات تنقسم إلى أربع فئات: مخيمات شوادر، ومخيمات خيم إيكيا، ومخيمات سقف شادر، ومخيمات كتل أسمنتية، وهناك جهود كبيرة رسمية من أجل إنهاء حالة سكان خيم الشوادر، كونها الأكثر معاناة، ليتم لاحقاً تسوية الفئات الأخرى. وهناك عوائق كبيرة لعدم عودة الأهالي إلى قراهم، متمثلة بقلة الخدمات.
في الختام
وهكذا، بين الأنقاض والذكريات، يصنع السوريون عيداً مختلفاً، عيداً لا تقاس فرحته بكعكات الحلويات أو أضواء الزينة، بل بروح التحدي التي لا تنكسر، وبالتضامن الذي يتحول إلى جدار متين يسند المتعبين، عيد الأضحى هذا العام هو عيد العائدين، عيد من اختاروا أرضهم رغم كل شيء، عيد الأمل الذي لا يموت».


