الحرية – رحاب الإبراهيم:
يستقر سعر الصرف لفترة، ثم يعاد مؤشره إلى الارتفاع فجأة، ضارباً آمال المواطنين بتحسن الواقع المعيشي المأمول مع الارتفاع اليومي بأسعار السلع الأساسية، بحكم مسارعة التجار إلى زيادة أسعار بضاعتهم وسط هبوط مستمر في قيمة الليرة، التي يحتاج تقويتها إلى دوران عجلة الإنتاج بشقيه الزراعي والصناعي والتقليل من المستوردات وخاصة إذا توافر المشابه المحلي، دون ذلك ستستمر بورصة الدولار في التذبذب من دون مقدرة على ضبطها إلا عند اتخاذ قرارات تصب في دعم المنتج المحلي وتقوية عناصر تنافسيته داخلياً وخارجياً.
أسعار السلع في مدينة حماة وأريافها
تظهر أسعار السلع في مدينة حماة وأريافها بوضوح تأثير عدم استقرار سعر الصرف على الحياة اليومية للمواطنين، علماً أن أسواق مدينة حماة كانت تعد من الأسواق «الرخيصة» التي تناسب أصحاب الدخول المحدودة، لكن اليوم يشكو أغلب المواطنين من غلاء كل أنواع السلع وتحديداً الأساسية، التي يربطها التجار بارتفاع سعر الدولار.
فالزيت النباتي وحسب الليرة القديمة وصل إلى 30 ألف ليرة، والسكر تجاوز 10 آلاف، والرز يتراوح سعره بين 14 و20 ألف ليرة حسب نوعه وجودته، والبرغل تجاوز الـ 10 آلاف ليرة، والسمنة النباتية لامست 40 ألف ليرة، حسب ما رصدت «الحرية» أثناء جولتها في أسواق حماة وأريافها.
محاسبة المضاربين
ورغم أن أسعار الخضراوات شهدت انخفاضاً مقبولاً جراء طرح كميات كبيرة في الأسواق من المنتجات الزراعية على اختلاف أنواعها، فإن ضعف القدرة الشرائية بالتزامن مع ارتفاع سعر الصرف، جعل شراء هذه المنتجات غير متاح لنسبة ليست قليلة من الناس، الذين باتوا يشترون بالقطعة وحسب الاحتياج اليومي والمتوافر في الجيب.
وهنا تعبر السيدة ميساء الحسين عن استيائها من ارتفاع السلع الأساسية بما فيها الخضراوات قياساً بدخولهم الشهرية المنخفضة وخاصة خلال الفترة الماضية، فتقول: «لم نعد قادرين على مواجهة غلاء أسعار السلع المتزايد يومياً، فتكلفة المعيشة الشهرية تقارب 5 ملايين مقابل دخل لا يتجاوز مليونين ليرة، فكيف يمكن تغطية هذه الفوارق وتأمين احتياجاتنا بالحد الأدنى؟»
وتطالب السيدة ميساء الجهات الرسمية المسؤولة عن الأسواق وحماية المستهلك بضبط الأسواق وإيجاد حلول لإيقاف ارتفاع سعر الصرف ومحاسبة المضاربين والتجار المخالفين.
في حين حمل تاجر الخضراوات نجم حواضريه سعر الصرف المسؤولية عن رفع أسعار البضائع بما فيها الخضراوات، باعتبار أن كل سلعة تسعر حسب سعر الدولار، ما يتسبب في إلحاق الضرر بالفلاح والمستهلك والتاجر معاً، معتبراً أن الحل يكمن في دعم المنتج المحلي وخاصة الزراعي والصناعي والتوجه إلى تصدير المنتجات المحلية.
فروقات كبيرة في الأسعار
صحيفة «الحرية» تواصلت مع الخبير الاقتصادي الدكتور فاخر القربي لمعرفة تأثير تقلبات سعر الصرف على الأسواق والحياة اليومية للمواطن، حيث بيّن أن تذبذب سعر الصرف يؤدي إلى ارتفاع وتقلب في تكاليف الاستيراد وتراجع قيمة العملة المحلية، ما يزيد من القفزات التضخمية في أسعار السلع التي تتجاوز دخل المواطنين.
وأكد الدكتور القربي أن آثار تقلبات سعر الصرف على الأسعار تظهر من خلال تضخم الواردات وارتفاع سعر العملات الأجنبية، وهذا يزيد من تكلفة شراء المواد الأولية والسلع الأساسية من الخارج، حيث تتأثر الأسواق المحلية بتذبذب أسعار الصرف بشكل لحظي، وأيضاً من تآكل القدرة الشرائية عبر انخفاض القيمة الحقيقية للأجور، ما يجعل الدخل الثابت غير كافٍ لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، إضافة إلى فوضى التسعير، فعدم الاستقرار يغذي احتكار السلع ويصعب على التجار تقييم التكاليف بدقة، ما يؤدي إلى فروقات كبيرة في الأسعار بين المحال، ولا سيما أن التجار في الأسواق يرفعون أسعار المواد مع ارتفاع سعر الصرف ولا يخفضون الأسعار مع انخفاض سعر الصرف تحت ذريعة واهية “اشترينا بالغالي”.
تمكين المواطنين
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة وضع آليات لضبط الأسواق وتمكين المواطنين عبر إلزامية التسعير والشفافية من خلال تفعيل دور مؤسسات حماية المستهلك بإلزام التجار بوضع الأسعار النهائية على المنتجات ومراقبة تلاعب الحلقات الوسيطة، والتسعير الإداري وتثبيت سلع أساسية من خلال تدخل الجهات المختصة في تسعير السلع الاستراتيجية لمنع الاحتكار، وتوفير جزء من الاحتياجات عبر منافذ “التدخل الإيجابي” بأسعار مدعومة تتناسب مع القدرة المالية للمواطن، والأهم الحالة النفسية للمواطنين بتغيير اسم “السورية للتجارة”.
ودعا القربي إلى تعزيز دور العملة المحلية والسيولة النقدية، من خلال تقليل الاعتماد على المضاربات والمحافظة على استقرار قيمة العملة، كما تهدف الإجراءات النقدية مثل إصدار الليرة السورية الجديدة إلى تسهيل المعاملات والحد من التضخم.
دعم المنتج المحلي
وفيما يخص دعم الإنتاج المحلي وتشجيع البدائل، أكد القربي على أهمية تقديم التسهيلات للمزارعين والصناع المحليين لتقليل الاعتماد على الاستيراد الأجنبي الباهظ، وبالتالي توفير السلع محلياً بتكلفة أقل.
وشدد القربي على ضرورة رفع الأجور بما يتناسب مع التضخم من خلال تحسين الأجور وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة لزيادة قدرتهم الشرائية ومواجهة غلاء المعيشة، والأهم من ذلك كله إيجاد حالة من الانسجام الأخلاقي بين متطلبات المواطن والأسعار في الأسواق، مع إعادة تفعيل الضمير لدى التجار بعد إغفاله لمدة طويلة خلال سنوات الحرب التي أنهكت الاقتصاد السوري.