الحرية – علي الراعي:
في مشهد تقف فيه مجموعة من النساء في حالة انتظار، يغطي السواد ملامحهن مع تواشيح من الأورانج الناعس، وكأنها “ستوب كادر” على لحظة مفزعة من الترقب، تعتمد الفنانة أسمهان حامد على تقنية إبهات الضوء التي تجعل اللون يميل للرمادي، لتنقل وحشة الانتظار التي تتوزع على تسع نساء، كل منهن تجسد الانتظار بطريقتها الخاصة، وكأنهن يتوسلن الليل أن يُبطئ قليلاً.
وفي مشهد آخر، تسلط حامد بؤرة ضوئية على ستة رجال، في وضعية مواربة وكأنهم في حالة استعداد للانطلاق، لكن الاتجاه يبقى غامضاً، لتترك الفنانة للمتلقي أن يسرد الاحتمالات في قراءة المشهد الذي يتسع لعشرات التأويلات.
ثلاثة اتجاهات فنية
يمكن تكثيف شواغل أعمال أسمهان حامد في ثلاثة اتجاهات رئيسة: الطبيعة، المشاهد الإنسانية، وتشكيل كادر الصورة بطريقة تقترب من مسرحة الصورة أو المشهد السينمائي، ما يلفت الانتباه في أعمالها ليس الحركة الجارية في المشهد بقدر ما هو أسلوب معالجتها فنياً، حيث تقترب الكاميرا من الحلول محل مواد الرسم التقليدية، لتقديم مشهد بصري يحمل دراما تستند إلى عين مصورة تمتلك حساً تشكيلياً ومعرفة بقواعد التكوين.
الضوء والمسرح
تفاعل خلاق يحدث بين الضوء والعدسة في أعمال حامد، حيث تتقاطع الصورة مع الأجواء المسرحية والتشكيلية، فالفضاءات الدرامية المدروسة تهيئ المناخ لإنارة مركزة على الحركة، ضمن تكوين متوازن الملامح، وكأنه خلاصة لسينوغرافيا العرض المسرحي، نلاحظ في أعمالها كتلًا لونية متماوجة تتكشف عن حدود مبهمة لأجسام بشرية، في ضبابية لونية تربطها برباط خيالي قوي.
اصطياد اللحظة الهاربة
تقول أسمهان حامد عن علاقتها بالصورة: “بالنسبة لي الصورة هي بشكل ما انتصار على الزمن واعتقال اللحظة، وهي أيضاً لغة تعبير، أنا لا أكتب الشعر ولا النثر، لكن أكتب بالضوء، أحياناً أصنعها لتترجم صورة ذهنية عندي، وأحياناً أصطادها من الواقع وأقوم بتأويلها.”
وتضيف: “في التصوير مرات يكون موضوع الصورة هو المهم، ومرات تكون كيفية إظهاره هي الأهم، في محاولة لجعل العادي والمألوف غير عادي ويستحق الالتفاتة.”
وحول أهمية الكاميرا، ترى أنها مثل القلم والريشة عند الشاعر والرسام، فالفكرة الخلاقة أولاً ثم الأداة ثانياً، والعين الحساسة الذكية تسبق العدسة.
مشهد الأسماء
ويعتبر من أبرز أعمالها مشهد “الأسماء”، حيث تلتقط مجموعة من علاقات المفاتيح المحفور عليها أسماء، في لقطة تحمل أبعاداً بحثية وروحية وعاطفية، تقول عن هذه اللوحة: “الأسامي حضور، فأول ما يقترن فينا لحظة حضورنا ومجيئنا للحياة، وأول ما ينشال عنا لحظة مغادرتها، “وتستشهد بقول الشاعر محمد دريوس: “الأسماء هي الفلتر الأول، ننظر للشخصيات من خلال عدسة الأسماء، فنخاف منهم أو نحتقرهم، نعجب بهم أو نكرههم.” أما ميلان كونديرا فيقول: “الاسم شكل من أشكال الاستمرارية في الماضي.”
الضوء متلبساً باللون
ولم تكتفِ أسمهان باصطياد الضوء كهدف أساسي، بل استطاعت التقاط حالة الضوء متلبساً باللون، ومن ثم اصطادت اللحظة الهاربة والمتحركة وأثبتتها في حالة من الجمال أو الدراما التي تصل أحياناً إلى التراجيديا. تبني لوحتها من الحركة والسكون والتكوينات والكتل، بحيث تأتي اللقطة وكأنها حدثت الآن وهنا، وقد استطاعت توقيفها.
تقدّم الفنانة في أعمالها الدراما الحياتية لكل ما يجري في الطبيعة، بحيث لا تكون اللقطة حيادية، بل تحمل موقفاً جمالياً أو تأملياً، في تأكيد على وحدة الوجود، ودعوة لتأمل روحانية الأشياء، حيث تتحول كلمة “الجماد” إلى مفهوم لا معنى له، لأن لكل الأشياء ذاكرة، وربما روح.