«تساؤلات».. أربع تجارب تشكيلية تفتح أبواب التأويل بين اللون والكتلة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – ميسون شباني:

لم يكن معرض «تساؤلات» الذي احتضنه غاليري «الآرت هاوس» بدمشق، بمشاركة الفنانين التشكيليين ربا قرقوط وبسام الحجلي، والنحاتين زياد قات وسليمان عبيد، مجرد مساحة لعرض أعمال فنية، بل جاء كمحاولة لنسج حوار بصري تتقاطع فيه التجارب والأساليب، وتلتقي عند سؤال الإنسان في زمن تتشابك فيه التحولات واليقين والقلق.

فالعنوان يضع المتلقي أمام تجربة لا تبحث عن تقديم إجابات جاهزة، بقدر ما تدعوه إلى إعادة النظر في علاقته باللون والكتلة والرمز، ليصبح السؤال ذاته جزءاً من العمل الفني، لا مجرد مفتاح لقراءته، على حد تعبير المشاركين فيه.

اللون بوصفه خطاباً بصرياً

تؤكد الفنانة ربا قرقوط انحيازها إلى اللون بوصفه حاملاً للمعنى قبل أن يكون عنصراً جمالياً، فقد جاءت لوحاتها مشبعة بألوان مشرقة لتكون مدخلاً إلى الطمأنينة والأمل، انطلاقاً من قناعة بأن اللون يمتلك قدرة على مخاطبة الوجدان، وصناعة حالة نفسية لدى المتلقي.

وتوضح قرقوط أن اختلاف أحجام اللوحات وتنوع تقنياتها لم يكن خياراً شكلياً، وإنما جزء من الفكرة التي يقوم عليها المعرض، إذ أرادت لكل عمل أن يثير تساؤلاته الخاصة، سواء عبر اللون أو المساحة أو التقنية.

ولفتت إلى أنها تواصل بحثها في مزج الخامات، من الزيت إلى الأكريليك والشمع، في محاولة لتوسيع إمكانات السطح التشكيلي وإغناء لغته البصرية.

وترى أن السؤال لا يعكس نقصاً في المعرفة، بل يمثل بداية الوعي، وأن العمل الفني الناجح هو الذي يدفع المتلقي إلى مغادرة المعرض وهو يحمل أسئلة جديدة، لا إجابات نهائية.

اللوحة كفضاء للهوية والذاكرة

في المقابل، يقدم بسام الحجلي تجربة تتكئ على كثافة اللون الزيتي، بما يحمله من عمق بصري وقدرة على بناء طبقات من المعنى، على حد قوله. ويشير إلى أن اللوحة لديه ليست سطحاً للرسم، بل كائن حي يختزن ذاكرة الإنسان وتحولات المجتمع، ويعكس ما يعتريه من قلق وأسئلة حول الهوية والانتماء والمصير.

ويؤكد الحجلي أن فكرة «تساؤلات» انطلقت من أسئلة وجودية يعيشها الإنسان اليوم، معتبراً أن وظيفة الفن لا تكمن في تقديم الحلول، وإنما في تحفيز التفكير وإعادة مساءلة الواقع. أما اللون الأحمر، الذي يتكرر في أعماله، فلا يختزل في دلالة واحدة، بل يتنقل بين الحب والدفء والطاقة والحياة، بحسب تجربة كل متلقٍ وقراءته الخاصة.

الكتلة تروي حكاية المقاومة

ويرى النحات سليمان عبيد أنه، عبر منحوتاته، تتحول الكتلة إلى لغة تعبيرية تستحضر التجربة الإنسانية بكل ما فيها من مقاومة وإصرار على النهوض. فالشخصية الصاعدة على سلم مقلوب، والحصان العربي الرافض للانكسار، لا يقدمان مشاهد وصفية، بل يختزلان رؤى فلسفية عن الإنسان وهو يصارع واقعه.

ويشير عبيد إلى أن أعماله، المنفذة باستخدام المعادن والمواد اللدنة، استغرقت في بعضها أكثر من عام، مؤكداً أن البيئة الريفية التي نشأ فيها ما تزال حاضرة في ذاكرته البصرية، وتنعكس في حضور الرموز الحيوانية والطبيعة داخل تجربته النحتية.

الفكرة أولاً

أما زياد قات، فينطلق من قناعة بأن الخامة ليست سوى وسيلة، فيما تبقى الفكرة هي المحرك الأول للعمل الفني، لذلك لا يتردد في الانتقال بين الخشب والفايبر وسواهما، وفق ما تفرضه الرؤية التشكيلية.

وأشار قات إلى أن حضور العنصر النسائي في أعماله جاء بوصفه رمزاً للحياة والاستمرار، إضافة إلى تأثره ببيئته العائلية وذاكرته الشخصية، فيما يرى أن مشاركته في «تساؤلات» جاءت انطلاقاً من إيمانه بقيمة اللقاءات الفنية، وما تتيحه من حوار وتبادل للخبرات بين الفنانين.

تنوع التجارب يصنع ثراء المعرض

بدروها رانيا عبيد، مديرة غاليري «الآرت هاوس»، تؤكد أن المعارض المشتركة تمنح الجمهور فرصة للاطلاع على تجارب متعددة في فضاء واحد، الأمر الذي يثري المشهد البصري ويخلق حواراً بين الأعمال، رغم اختلاف أساليبها.

وتوضح أن اختيار الفنانين يستند إلى جودة التجربة الفنية وغناها، أكثر من ارتباطه بالأسماء أو الشهرة، معتبرة أن عنوان «تساؤلات» يعبر بدقة عن الحالة التي يعيشها الزائر، حين يجد نفسه أمام أعمال تدفعه إلى التفكير، وتترك الأسئلة مفتوحة بعد انتهاء الزيارة، وهو ما يمنح الفن قيمته الحقيقية.

Leave a Comment
آخر الأخبار