الحرية – وليد الزعبي:
بدأ الذكاء الاصطناعي يشغل حيزاً واسعاً على صعيد تلبية متطلبات البشرية وحل مشكلاتها في مختلف مناحي الحياة، ويكاد ـ كأحد علوم الحاسوب الحديثة ـ أن يحل محل العقل البشري في التفكير والتعلم واتخاذ القرارات، حيث بات الكثيرون يعتمدون على خدماته، سواء في شؤون حياتهم الخاصة أو فيما يخص أعمالهم، والسؤال: إلى أين يمضي بنا عالم الذكاء الاصطناعي، وما أوجه انتفاعنا به وتضررنا منه؟
ليس مجرد كلمة طنانة
عضو الهيئة التدريسية في جامعة دمشق – اختصاص جبر الكمبيوتر، الدكتور شوقي الراشد أوضح لـ«الحرية» أن الذكاء الاصطناعي ضمن المشهد العالمي الذي يتسارع نحو المستقبل بجنون، لم يعد مجرد كلمة طنانة في مؤتمرات التكنولوجيا، بل أصبح القوة الدافعة لإعادة تشكيل مفهوم الحياة ذاتها، وبينما تتصارع الدول الكبرى على ريادة هذه الثورة، تقف دول مثل سوريا أمام مفترق طرق مصيري: هل سيكون هذا الذكاء أداةً لالتئام جراحها وإعادة بنائها، أم أنها ستتوه وسط سباق تقني لا تمتلك أياً من مقوماته؟
الوجه المشرق
واعتبر الدكتور الراشد أن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في الصحة والتعليم والإنتاجية، ولا يمكن إنكار الفوائد الجسام التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للبشرية، في المجال الطبي، حيث أصبحت الخوارزميات قادرة على تشخيص أمراض السرطان وأمراض القلب بدقة تفوق أحياناً قدرات الأطباء المخضرمين، مما ينقذ أرواحاً كانت ستضيع في زحام التشخيص البشري، وفي التعليم، يحلم العالم بوجود «معلم خصوصي» ذكي لكل طفل، يراعي فروقاته الفردية ويصمم له مناهج تناسب عقله، مما يمحو الفجوة التعليمية بين الأغنياء والفقراء.
أما على صعيد الإنتاجية، فأتمتة المهام الروتينية – كترجمة الوثائق أو تحليل البيانات – تفتح الباب أمام البشر للهروب من حلقة الملل والاتجاه نحو الإبداع الحقيقي.
الوجه المظلم
لكن عضو الهيئة التدريسية لم يغفل وجود تهديدات حقيقية ناجمة عن الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أن السيناريوهات المقلقة ليست بعيدة المنال كما نحب أن نتصور، والخطر الأبرز يكمن في احتمال انهيار سوق العمل، فالمهن الروتينية «كتابة التقارير، المحاسبة، خدمة العملاء» هي أولى ضحايا هذه الثورة، وسيختفي الملايين من وظائفهم قبل أن تخلق بدائل كافية، والخطر الأكثر دهاءً يتمثل بتحيز الخوارزميات، فحين تُغذى الآلة ببيانات بشرية، فإنها تورث عنصريات مجتمعاتها وأخطاءها، فتقرر من يستحق قرضاً ومن يستحق وظيفة بناءً على انحيازات خفية، كما يبرز خطر التزييف العميق (Deepfakes)، الذي يهدد بنسف مفهوم الحقيقة ذاتها، حيث يمكن لأي كان أن يخلق فيديوهات لرؤساء دول وهم يتحدثون بما لم يقولوا، مما يهدد السلم المجتمعي في دول هشة بالفعل.
فوائد لبلادنا
وحول إمكانية استفادة سوريا من هذه الثورة، قال الدكتور الراشد: عندما ننظر إلى المشهد السوري، الذي أنهكته الحرب وتهدمت بنيته التحتية، قد يظن البعض أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي هو نوع من الرفاهية الفكرية، لكن الحقيقة المعاكسة هي الصحيحة، فالذكاء الاصطناعي قد يكون الحل الأسرع والأرخص لتجاوز مرحلة التعافي، وذلك عبر تطبيقات ذكية تتلاءم مع واقع الندرة، ومنها الزراعة الذكية لمواجهة شح المياه، وذلك عبر استخدام كاميرات وطائرات مسيّرة مزودة بخوارزميات تحليل الصور، حيث يمكن تحديد المحاصيل التي تعاني من العطش وتوجيه الري بالتنقيط لها بدقة متناهية، ما يوفر نحو 40% من المياه المهدورة في بعض الأحواض المائية على مستوى البلاد، وكذلك مسح الأضرار وإعادة الإعمار، بدلاً من إرسال فرق مسح ميدانية إلى مناطق خطرة، حيث يمكن تحليل صور الأقمار الصناعية عبر الذكاء الاصطناعي لإحصاء المباني المنهارة، وتقدير كميات الركام والخرسانة المطلوبة، وتحديد أولويات الترميم في ثوانٍ، وهو ما يحتاج إلى شهور من العمل البشري التقليدي.
سد الفجوة
وفي مجال التعليم، بيّن الدكتور الراشد أنه من خلال الذكاء الاصطناعي يمكن سد الفجوة التعليمية، عبر بناء منصات تعليمية ذكية تعمل دون اتصال دائم بالإنترنت (أوفلاين)، تستهدف مناطق في الريف والبادية، لتعليم الأطفال اللغة والرياضيات عبر ألعاب تفاعلية، وتعويض النقص الكبير في أعداد المدرسين نتيجة النزوح والهجرة.
كذلك العمل تحت عنوان «الصحة عن بُعد»، وتخفيف وطأة غياب الأطباء الاختصاصيين عبر تطبيقات تحلل الأشعة المقطعية وتشخص الحالات الحرجة في المناطق النائية، وتوجيه الممرضين بإجراءات إسعافية دقيقة قبل وصول الطبيب، وكذلك توظيفه في مجال توثيق الهوية والتراث، باستخدام تقنيات التعرف على الصوت والصورة لإعادة ترميم الأفلام القديمة، وتوثيق اللهجات السورية المهددة بالانقراض، وحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.
ليست مستعصية
وتطرق عضو الهيئة التدريسية إلى أن العقبات ليست مستعصية والحلول بأيدينا، صحيح أن واقع الكهرباء المنقطع والإنترنت البطيء يشكلان تحدياً كبيراً، لكن الحل لا يكمن في انتظار تحسن البنية التحتية، بل في تبني النماذج الخفيفة (Tiny AI)، وهي تطبيقات ذكاء اصطناعي لا تحتاج إلى خوادم ضخمة أو اتصال فائق السرعة، بل تعمل بسلاسة على الهواتف الذكية متوسطة الإمكانيات، كما أن على الدولة والمجتمع المدني أن ينظرا إلى الجالية السورية المهاجرة، التي تضم نخبة من خبراء البيانات في وادي السيليكون وأوروبا، كشريك استراتيجي أول، عبر إقامة شراكات افتراضية ومراكز بيانات محلية صغيرة، بدلاً من انتظار تدفق المنح الحكومية المعقدة.
رسالة إلى الشباب
وختم الدكتور الراشد مخاطباً الشباب السوريين الذين يخشون أن يكونوا ضحية لهذه الموجة التقنية الجارفة بالقول: إن الذكاء الاصطناعي لن يسرق مستقبلكم، لكن من يعرف كيف يستخدمه سيفعل، لا تنظروا إليه كعدو، بل كآلة حادة، يمكن أن تكون مشرط جراح مبدع، أو سيف قاتل، تعلموا كيف تصوغون أوامركم له «هندسة المطالبات»، وكيف تفهمون منطقه المنطقي، لأن مستقبل سوريا الجديد لن يُبنى بالحديد والإسمنت وحده، بل سيبنى بعقول سورية قادرة على تسخير هذه الثورة، لتكون بلداً منتجاً للتقنية، لا مجرد سوق مستهلك لها، مضيفاً إن الفرصة ما زالت قائمة، والفارق الزمني مع العالم ليس واسعاً كما نظن، لكن السباق يبدأ اليوم.