لغاتٌ تموت وأخرى تسود.. كيف فقد البشر تنوعهم اللغوي الهائل؟.. العربية استثناء صامد

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – امين سليم الدريوسي:

قبل أن تهيمن لغات عدة على المشهد العالمي، كان كوكب الأرض أكثر ثراءً بتنوعه اللغوي مما نتصور، وكان البشر يتواصلون بالآلاف اللغات، ما يعكس غنى ثقافياً وإنسانياً هائلاً، لكن هذا التنوع بدأ ينهار تدريجياً، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، حيث تموت لغات ولا تولد أخرى، ولكن كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف استطاعت بعض اللغات، كالعربية، أن تصمد في وجه هذا الزحف؟

لم تأت هذه النتائج من وحي الخيال، بل من دراسة علمية حديثة كشفت أن البشر ربما تحدثوا في الماضي بعشرات الآلاف من اللغات، قبل أن تؤدي أسبابٌ عدة إلى تراجع غير  مسبوق، إذ بدأ يُفقد العالم كل عام نحو أربع لغات.

متى كان التنوع اللغوي في أوجه؟

وهذا الاكتشاف لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى منهجية علمية دقيقة، حيث اعتمد الفريق البحثي الدولي من إسبانيا والولايات المتحدة وألمانيا والذي أنجز الدراسة على البيانات الإثنوغرافية، ونماذج حاسوبية، وتقديرات لإجمالي عدد السكان عبر الزمن.

ووفقاً للمجلة العلمية المتخصصة «ساينس»، فقد أوضحت الدراسة أن عدد اللغات في بداية عصر الهولوسين قبل نحو 12 ألف عام كان أقل مما هو عليه اليوم، وربما تراوح بين 4500 و6200 لغة فقط، ثم ازداد التنوع اللغوي مع نمو عدد السكان، ليصل إلى «عصر ذهبي» للتنوع اللغوي قبل نحو 1000 إلى 3000 عام .

في ذلك الوقت، ربما كان عدد اللغات أكبر بعشر مرات مقارنة ببداية عصر الهولوسين، أي ما يقارب 50 ألف لغة تقريباً، ومع توسع الدول الكبرى والإمبراطوريات القديمة بدأ هذا التنوع في الانخفاض بسرعة كبيرة، وفق ما ذكرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية .

متى بدأ التراجع؟.. الإمبراطوريات القديمة وليس الاستعمار الحديث

ويعتقد فريق البحث أن التراجع الكبير للتنوع اللغوي لم يبدأ مع التوسع الاستعماري الحديث، بل بدأ حين انتشرت الإمبراطوريات القديمة، إذ حملت معها لغاتها ومسببات الأمراض وثقافتها، ومع دخول الجماعات المنعزلة في تواصل مستمر، بدأت بعض اللغات المهيمنة بالانتشار على حساب لغات أخرى .

يقول راسل غراي، من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في مدينة لايبزيغ الألمانية: «لقد كانت المفاجأة الأولى أن العالم قبل انتشار الزراعة لم يكن يتمتع بتنوع لغوي استثنائي، بل من المرجح أن عدد اللغات كان أقل مما هو عليه اليوم» .

وأضاف غراي أن «اللغات التي نراها اليوم هي الناجية من عنق زجاجة تاريخي هائل وشديد الانتقائي» .

الأسباب التي أدت إلى تراجع التنوع اللغوي

واعتمد المشرفون على الدراسة على بيانات إثنوغرافية لـ 171 مجتمعاً من مجتمعات الصيد وجمع الثمار، ثم قدّروا توزيع الجماعات البشرية التي كانت لكل منها لغة خاصة، وربطوا ذلك بتقديرات عدد سكان العالم.

وأكد داميان بلاسي، المشرف على الدراسة، أن «اللغات التي نراها اليوم هي اللغات التي نجت، وربما لعبت عمليات انقراض اللغات دوراً أكبر بكثير في تشكيل التنوع اللغوي مما كنا ندرك سابقاً» .

ويرى الباحثون أن العوامل التي شكلت التنوع اللغوي هي أيضاً ما أدت إلى تراجعه، فإذا كانت الزيادات في عدد سكان العالم قد أدت إلى تعزيز التنوع اللغوي، فإن انتشار الإمبراطوريات واللغات المهيمنة سرعان ما بدأ في تقليص هذا التنوع، إذ كانت لغات الجماعات المتوسعة أكثر قدرة على البقاء، بينما اندثرت لغات الشعوب التي خضعت لها .

هل نعيش اليوم عصر انقراض اللغات؟

حالياً تُوجد نحو 7500 لغة في العالم، لكن هذا التنوع اللغوي يتراجع بسرعة، لا سيما مع هيمنة لغات محددة دون غيرها، مثل الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والصينية المندرينية والعربية والهندية .

ولفتت الدراسة إلى أن نحو خمسة مليارات شخص يتحدثون واحدة على الأقل من أكثر عشر لغات انتشاراً في العالم، بينما أصبحت نصف لغات العالم مهددة بالانقراض، موضحة أن نحو أربع لغات تختفي سنوياً، وكشف الموقع العلمي المتخصص «ساينس نيوز» أن وجود 7500 لغة حالياً قد يبدو كبيراً، إلا أنه كان من الممكن أن يكون أكبر بعشر مرات قبل بضعة آلاف من السنين .

خسارة لا تعوض

اعتبرت كيارا باربيري، الدكتورة بجامعة كالياري الإيطالية، أن الدراسة الحديثة «تفتح آفاقاً جديدة»، خاصة وأن فكرة ضياع عدد هائل من اللغات عبر الزمن أمر يفوق التصور .

وتساءلت باربيري: «هل ثمة شعوب طوّرت لغات ذات سمات يصعب علينا اليوم حتى تخيلها؟ إن الأمر يثير الذهول ويجعل العقل يحتار».

وتثير هذه الأسئلة قضية أعمق: ما الذي نخسره عندما تموت لغة؟ ليست مجرد كلمات، بل طريقة كاملة في رؤية العالم وفهمه.

العربية إرث ثقافي وديني

وفي زمن يموت فيه كل يوم أربع لغات، ويُفقد العالم عشرات الآلاف من لغاته القديمة، يبرز سؤال مشروع: كيف استطاعت اللغة العربية أن تصمد وتستمر؟

يرى الباحثون أن بقاء العربية يعود إلى عاملين رئيسيين: الثراء اللغوي والاستمرارية عبر التاريخ، فاللغة العربية تتمتع بغناها بالمفردات التي تتيح للناطق بها التعبير عن جميع المواصفات والإحساسات والحالات، إضافة إلى قدرتها على الصمود والبقاء عبر العصور والتاريخ الطويل.

وهنا يأتي البعد الأعمق، فالعربية ليست مجرد لغة تطورت عبر الزمن، بل هي لغة اختارها الله وعاءً لرسالته الخاتمة، حيث امتدحها في محكم كتابه، فنزل بها الوحي مبيناً، فقال سبحانه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: 195)، لتكون لغة البيان الواضح والفصيح، وجعلها أداةً للهداية والإنذار، فقال عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الشورى: 7)، كما ربط فهم الرسالة بفهم لغتها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2].

هذا التكريم الرباني حفظ اللغة العربية ومنحها مكانة لا تضاهيها مكانة، فهي ليست مجرد وسيلة تواصل، بل لغة عبادة وهوية ثقافية، وعاء لخطاب السماء، مما جعلها محفوظة بحفظ كتابها، وصامدة رغم تقلب الزمن، وقد ساعد هذا الارتباط الوثيق في الحفاظ على الفصحى كلغة للتعليم والإعلام والكتابة الرسمية، رغم التحديات التي تواجهها في عصر العولمة وهيمنة اللغات الأجنبية على ميادين العلوم والتكنولوجيا والأعمال.

Leave a Comment
آخر الأخبار