«الجمعية الشهرية».. التضامن الاجتماعي بديلاً عن النظام المصرفي في سوريا

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

في كل حي شعبي بدمشق، يجتمع عدد من ربات البيوت شهرياً في منزل إحداهن، تضع كل منهن مبلغاً متفقاً عليه في ظرف، ثم تُسحب إحدى الأسماء لتتسلم المبلغ كاملاً. هذا المشهد المتكرر في معظم المنازل السورية ليس مجرد طقس ادخاري، بل يعكس نظاماً مالياً اجتماعياً موازياً، لجأ إليه السوريون كحل إسعافي في أوقات الأزمات المالية.

«الجمعية»، ذلك العقد الاجتماعي غير المكتوب القائم على الثقة المطلقة بين الأفراد والمعارف، تمثل مزيجاً من التضامن والادخار والقرض من دون فوائد أو رسوم، في وقت أصبحت فيه البنوك كياناً بعيداً، والاستشارات المالية حكراً على فئة محدودة.

قصص من الواقع

الموظفة علا السيد ذات الخمسين عاماً أوضحت أنها تلجأ لهذا المقترح منذ 19 عاماً وأكثر، قائلة: «استطعت عبر الاشتراك بالجمعيات على مدى سنوات طويلة تأثيث منزلي على دفعات وشراء الذهب حين كانت الأسعار معقولة»، بينما بيّن المزارع علي شاهين من ريف دمشق أن أول مبلغ جمعه من جمعيته حوله إلى رأس مال لمشروع زراعي صغير، ليتوسع تدريجياً ليصبح مصدر دخل أساسياً لأسرته. ويعلق مهدي أن الجمعية تمنح الفئات المهمشة والطبقة المتوسطة فرصة كانت محجوبة بسبب البيروقراطية المصرفية وفقدان الثقة بالنظام المالي الرسمي، ما يجعلها أداة تمكين اجتماعي واقتصادي في آن واحد.

الأسباب الاجتماعية لانتشار الجمعيات

ويرى خبير علم الاجتماع المالي والأسري محمد مهدي أن ظاهرة الجمعيات ليست مستجدة على المجتمع السوري، لكنها تحولت خلال سنوات الحرب من خيار ثانوي إلى ضرورة حياتية. ويوضح مهدي، في حديثه لـ«الحرية»، أن غياب القروض المصرفية الميسرة، وتآكل قيمة العملة الوطنية، وتجارب تجميد الودائع في فترات سابقة، كلها عوامل دفعت المواطن إلى العودة إلى التضامن الأفقي بين الأقارب والجيران والأصدقاء كبديل آمن عن المؤسسات المصرفية التي فقد المواطن ثقته بها.

ويضيف أن ما يميز الجمعية عن أي أداة مالية رسمية هو اعتمادها على المعرفة المسبقة بين المشاركين، حيث لا يضع الفرد أمواله مع شخص لا يعرفه، بل مع من تربطه به علاقة ثقة قد تمتد عقوداً، وهذا ما يجعلها نظاماً مالياً قائماً على «رأس المال الاجتماعي» قبل أن يكون اقتصادياً.

أداة تمكين اقتصادي للفئات المهمشة

كما لا تقتصر أهمية الجمعيات على كونها وسيلة ادخار فحسب، وفق ما بيّنه مهدي، بل تمتد لتكون أداة تمويل أولي لمشاريع صغيرة، خاصة للفئات التي لا تستطيع الوصول إلى التمويل المصرفي.

التحديات والمخاطر المصاحبة

ورغم الفوائد الاجتماعية والاقتصادية للجمعيات، يحذر مهدي من أنها تظل أداة بدائية غير خاضعة لأي رقابة أو حماية، ما يعرضها لمخاطر عدة، موضحاً أن أهم هذه المخاطر هو تخلف أحد الأعضاء عن السداد، أو نشوب خلافات شخصية بين المشاركين قد تؤدي إلى انهيار الجمعية وخسارة أموال الآخرين، وقد تصل إلى خلافات أكبر، وهنا يلفت الانتباه مهدي إلى أن الجمعية لا تأخذ في الاعتبار تغير القيمة الشرائية للعملة، فما يجمعه الفرد اليوم قد لا يساوي نصف قيمته بعد ستة أشهر في ظل استمرار التضخم، ما يضعف فعاليتها الادخارية.

ويخلص مهدي إلى القول إن استمرار الاعتماد على الجمعيات كأداة مالية أساسية يعكس فجوة تنظيمية عميقة، وحاجة ملحة لاستعادة الثقة بالمؤسسات المالية، وبناء نظام مصرفي يقدم بدائل حقيقية للادخار والاستثمار، تجمع بين الأمان والعائد المجزي.

شهادة حية

وختم مهدي بالقول إن الجمعية تبقى في المشهد السوري المعاصر شهادة حية على قدرة المجتمع على ابتكار حلول من تراثه وعلاقاته في مواجهة الانهيار المؤسسي، لكنها أيضاً تذكير بأن التضامن الاجتماعي، مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن نظام مالي منظم ومؤسسات موثوقة قادرة على حماية مدخرات المواطن وبناء مستقبل اقتصادي آمن.

Leave a Comment
آخر الأخبار