الحرية – ياسر النعسان:
لم تكن درعا مجرد مدينةٍ في جنوب سوريا، بل كانت على الدوام مساحةً يتقاطع فيها التاريخ مع إرادة الناس. فعلى امتداد أكثر من قرن، بقيت هذه المدينة حاضرة في لحظات التحول الكبرى التي شهدتها البلاد، من مقاومة الاحتلال الفرنسي، إلى عقود الحكم الصارم في ظل نظام الأسد المجرم، وصولاً إلى اللحظة التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات في سوريا عام 2011. وبين هذه المحطات المختلفة ظل اسم درعا مرتبطاً بفكرة الكرامة والرفض الدائم للخضوع ..
البداية ضد المحتل الفرنسي
اختصاصي التاريخ أديب الصعيدي بين أن لأهل محافظة درعا تاريخاً نضالياً مشرقاً ضد الطغيان بكل أشكاله، ومن هنا اشتهر أبناء حوران عبر التاريخ بروحهم القتالية وارتباطهم العميق بأرضهم، ولذلك لم يتأخروا في الانخراط في الحركات الوطنية المناهضة للاحتلال الفرنسي .
ومع اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925، أصبحت المنطقة إحدى ساحات الدعم الأساسية للثوار حيث قدّم الأهالي الدعم اللوجستي والمادي للمقاتلين، وشارك الكثير منهم في المواجهات ضد القوات الفرنسية، مؤكدين أن الجنوب السوري لن يكون أرضاً سهلة للسيطرة الأجنبية
وقد تركت تلك المرحلة أثراً عميقاً في الوعي الجمعي لأهالي درعا، إذ ترسخت فيها قيم المقاومة والتمسك بالاستقلال، وهي القيم التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية للأجيال اللاحقة .
عقود ما بعد الاستقلال
وأشار الصعيدي إلى أنه بعد جلاء القوات الفرنسية عن سوريا عام 1946، دخلت البلاد مرحلة جديدة مليئة بالتقلبات السياسية والانقلابات العسكرية. ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم تولي المجرم حافظ الأسد الحكم عام 1970، بدأت مرحلة طويلة من الحكم المركزي الظالم الذي اعتمد على أجهزة أمنية واسعة النفوذ .
وخلال تلك العقود، عاش السوريون تحت نظام سياسي شديد السيطرة على المجال العام. ورغم وجود بعض مظاهر الاستقرار، إلا أن الحياة السياسية كانت محدودة، كما واجهت قطاعات من المجتمع تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة. وفي العديد من المناطق، ومن بينها محافظة درعا، كان الشعور بالتهميش حاضراً لدى كثير من السكان، سواء بسبب ضعف الخدمات أو محدودية فرص العمل .
ورغم أن الاحتجاج العلني كان نادراً بسبب القيود الأمنية، فإن التذمر الشعبي ظل موجوداً في الخلفية، ينتظر لحظة تعبير أوسع .
درعا وبداية الاحتجاجات في 2011
اختصاصي التاريخ خليل الرفاعي بين من جهته أنه مع مطلع عام 2011، كانت المنطقة العربية تشهد موجة من الاحتجاجات الشعبية التي عُرفت لاحقاً باسم الربيع العربي.
وهنا ونتيجة لتراكم الظلم والطغيان الأسدي عبر الفروع الأمنية المجرمة التي ساهمت بطريقة مريعة في كبت الأفواه والقبول بالظلم رغم أنوف السوريين وخصوصاً بعد الجرائم البشعة التي مارسها المجرمان حافظ ورفعت الأسد على السوريين في حماة وحلب وإدلب وفي دمشق على يد وسيلتهم القذرة سرايا الدفاع، ونتيجة لممارسات الإجرام الأمني الذي مارسته أيضاً الفروع الأمنية المجرمة بعهد المجرم بشار الأسد، وبعد انتشار الفساد الذي نخر الاقتصاد السوري وكاد أن يحوله ليد واحدة دون الشعب السوري الذي لو رضي بذلك لأصبح رهينة بيد الظلم والطغيان مع هذا أيضاً كانت هناك مشاعر وأسئلة تتراكم في نفوس كثير من السوريين. أسئلة عن المستقبل، وعن الكرامة، وعن شكل الحياة التي يتمنونها لأبنائهم. لذلك أصبح الشعب السوري على صفيح ساخن وهو يشهد مجريات الربيع العربي لتنتقل أصداء تلك الأحداث سريعاً إلى الداخل السوري، وكان لدرعا دور محوري في تلك اللحظة التاريخية .
ولفت الرفاعي إلى أنه بدأت القصة عندما قام عدد من الطلاب بكتابة شعارات سياسية على جدران إحدى المدارس في المدينة. اعتُقل الطلاب على خلفية تلك الكتابات، الأمر الذي أثار غضب عائلاتهم وسكان المدينة. خرج الأهالي في تجمعات سلمية للمطالبة بالإفراج عنهم وذلك في 18 آذار عام 2011، ومع تزايد الاحتجاجات بدأت المطالب تتوسع لتشمل الدعوة إلى إصلاحات سياسية وتحسين الأوضاع العامة ومع مرور الأيام، تحولت الاحتجاجات في درعا إلى نقطة جذب للأنظار داخل سوريا وخارجها. وسرعان ما انتقلت المظاهرات إلى المحافظات السورية الأخرى ، لتصبح بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد.
رمزية درعا في الذاكرة السورية
ولفت الصعيدي إلى أنه لم تعد درعا بعد عام 2011 مجرد مدينة جنوبية عادية، بل أصبحت رمزاً لبداية واحدة من أهم المحطات في التاريخ السوري المعاصر. فبالنسبة لكثيرين، تمثل درعا المكان الذي عبّر فيه الناس للمرة الأولى بشكل واسع عن مطالبهم بالتغيير، ومع أن الأحداث التي تلت ذلك كانت معقدة وصعبة على السوريين جميعاً، فإن اسم درعا بقي مرتبطاً بفكرة البداية، وباللحظة التي تحولت فيها مطالب الناس من همسٍ في المجالس الخاصة إلى صوتٍ مسموع في الشارع .
مدينة تختصر تاريخاً طويلاً
من مقاومة الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، إلى الاحتجاجات الشعبية في القرن الحادي والعشرين، بقيت درعا مدينةً حاضرة في المنعطفات الكبرى للتاريخ السوري. قد تختلف الروايات والتفسيرات حول الأحداث التي مرت بها البلاد، لكن ما لا يختلف عليه كثيرون هو أن درعا كانت دائماً جزءاً من قصة أوسع تتعلق بعلاقة الناس بالسلطة وبالسعي نحو حياةٍ يرونها أكثر عدلاً وكرامة.
وهكذا، فإن درعا ليست مجرد موقع جغرافي على خريطة سوريا، بل مدينة تحمل في ذاكرتها تاريخاً من المواقف والمطالب، وتبقى شاهدة على مراحل متعددة من النضال والتغيير في تاريخ البلاد.