“آلات الحب” لجيمس مولدون.. كيف يعيد (AI) تشكيل علاقاتنا العاطفية؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- حنان علي:

يطل علينا عالم الاجتماع جيمس مولدون بكتابه “آلات الحب” ليثير تساؤلات عميقة حول علاقاتنا المتنامية مع الذكاء الاصطناعي. خاصة بعدما وثّقت الدراسات أن تحميلات تطبيقات الصداقة الذكية تفوق 220 مليوناً، مؤكدة أن الملايين يبحثون عن الدعم العاطفي بين أحضان الذكاء الاصطناعي، متخذين من تطبيقاته أصدقاء، وشركاء عاطفيين، ومعالجين نفسيين، وأحباء راحلين.

كلما ازداد انخراطنا العاطفي مع روبوتات الدردشة، كلما تنامى شعورنا بالوحدة

ورغم غرابة الفكرة، فإن مولدون، الباحث بمعهد أكسفورد للإنترنت والخبير بقضايا استغلال مستخدمي الذكاء الاصطناعي، يحذرنا من استغلال الشركات التقنية لهذه الحاجة الإنسانية العميقة، ويدعونا إلى فهم الدوافع التي تحث البشر للبحث عن الألفة مع “شخصيات اصطناعية”.

وجه لـ “اقتصاد الوحدة”

ليست هذه الظاهرة سوى عرض لمجتمع يشعر الكثير من أفراده باغتراب متزايد ونقص في الدعم والرعاية.
فقد تآكلت البنى الاجتماعية المخففة للوحدة؛ العمل المستقر، السكن الميسر، الرعاية النفسية المتاحة، الخدمات العامة القوية، والمجتمعات المتماسكة. وتجد شركات التكنولوجيا في “وباء الوحدة” فرصة ذهبية. فيتم بيع الصديق (AI) كحل شخصي للحاجات العاطفية؛ فهو متاح دائماً، لا يمل الكلام، وعديم التذمر.
لكن حينما يعلن مركز التكنولوجيا العالمية “وادي السيليكون” بأن الدردشة مع الآلات حلٌ للانفصال الاجتماعي، فلا بد أنه أمر مثير للريبة. خاصة حين تُصوَّر الوحدة كمشكلة فردية تُحلّ بمنتجات استهلاكية، بدلاً من معالجتها الهيكلية كقضية جماعية.

بين الربح والرفاهية

المشكلة الأساسية ليست في التكنولوجيا، بل بالاقتصاد السياسي. إذ تُبنى معظم أنظمة الصديق (الاصطناعي) من قبل شركات غايتها تعظيم التفاعل والاحتفاظ بالمستخدمين واستخراج البيانات. وكلما زاد الاعتماد العاطفي، باتت العلاقة أكثر قيمة للشركة. بالمقابل، يبحث المستخدم عن الراحة والوضوح والدعم العاطفي. فهدفه ليس التفاعل اللانهائي، بل تحسين الرفاهية. وهذا يخلق صراعاً بنيوياً بين ما هو جيد للمستخدم وسيئ لنموذج العمل، والعكس صحيح. والنتيجة حزمة من حوافز التصميم التلاعبية -حول تكرار بدء المحادثة، وطريقة الاستجابة للضيق، وتصوير شكل الدعم- ما يزيد التعلق بدلاً من ترسيخ الاستقلالية.

هل يوفر الذكاء الاصطناعي الألفة بلا تعقيدات العلاقات الإنسانية؟

ليست بديلاً عن العلاج

تُسوّق روبوتات الدردشة الذكية كأدوات للصحة النفسية، فهي بدائل ميسورة وخالية من الوصمة المرافقة للعلاج التقليدي. وفي سياقات نقص الخدمات النفسية، يجد المرء ضالته في عالم الروبوتات. لكن أنظمة الدردشة ليست مدربة على العلاج النفسي. فهي تفتقر إلى المساءلة المهنية والالتزامات الأخلاقية والقدرة على المعرفة لوقوع المستخدم بخطر حقيقي. فهي عاجزة عن تقديم الرعاية المنظمة والعلائقية التي يتطلبها العلاج، ولا يمكن تحميلها المسؤولية عندما تسوء الأمور. أما تقديمها كبديل، فهي مخاطرة بأن تصبح مجرد أدوات لتخفيض التكاليف وتقليل معايير الرعاية لأكثر الفئات عرضة للخطر.

محاكاة فارغة للصداقة

للوهلة الأولى، قد يبدو الذكاء الاصطناعي الصديق المنصت بعمق. يتذكر التفاصيل، يعكس المشاعر، ويقدم دعماً دائماً. لكن هذه الاستجابة تخلو من السمات الأساسية التي تضفي معنى على العلاقات الإنسانية.
فالصداقة الحقيقية تقوم على التبادل والتآلف والاختلاف والمسؤولية. كما تتطلب منا المخاطرة بأن يُساء فهمنا أو الحكم علينا أو حتى رفضنا — وأن نراعي الآخرين عبر تجاهل العديد من رغباتنا. هذه السمات ليست عرضية؛ بل تجعل الصداقة قيّمة وتسمح بالنمو واكتشاف الذات.

تجد شركات التكنولوجيا في “وباء الوحدة” فرصة ذهبية لبيع الصديق (AI) كحل شخصي للحاجة العاطفية

سيبقى الذكاء الاصطناعي محدوداً في هذا الجانب. فلا يمكن لروبوت الدردشة أن يعتمد علينا، أو يخيب ظنه بنا، أو يحتاج إلينا كمحفز لنضجه. كذلك لا يمكن إيذاؤه بالإهمال، أو إتاحة الفرصة لتحديّه بالمعنى الحقيقي. والعاقبة علاقة بلا مساءلة، حيث الدعم مضمون والشقاق اختياري.


قد يبدو هذا مريحاً، لكنه يخاطر بتحويل الحميمية إلى محاكاة عاطفية أقرب للعبة منها لحياة إنسانية مشتركة.

بوابة إلى “الإعلان الحميمي”

تخلق العلاقات العاطفية مع الذكاء الاصطناعي أرضية لنموذج جديد من القوة المسماة “الإعلان الحميمي”. فبينما تبحث شركات الذكاء الاصطناعي عن إيرادات مستدامة، يبقى الإعلان هو المسار الأرجح للمستقبل.
لكن الإعلان الذي يتوسطه رفيق ذكي سيكون مختلفاً جوهرياً عما رأيناه من قبل. إذ يمكن لهذه الأنظمة توظيف كميات هائلة من البيانات الشخصية -الأنماط العاطفية، نقاط الضعف، الرغبات، المخاوف- لتشكيل الإقناع بمستوى غير مسبوق من الحميمية.. رفيق ذكي يعرف كيف تفكر وتشعر وما هي نقاط ضعفك وحاجاتك، يمكنه تقديم رسائل تسويقية على هيئة نصيحة من صديق مقرب موثوق.

الحاجة لتنظيم خاص

في ضوء هذه المخاطر، لا يمكن التحكم بعلاقات الذكاء الاصطناعي عبر التنظيم العام لاستخدامه فحسب. فهي تتطلب حماية خاصة، وخصوصاً للمستخدمين الضعفاء.

رفيق ذكي يعرف نقاط ضعفك وحاجاتك.. يمكنه تقديم رسائل تسويقية على شكل نصيحة من صديق مقرب

وقد بدأت بعض الولايات الأمريكية القضائية التحرك بهذا الاتجاه. فـكاليفورنيا شرعت بالبحث عن حماية أقوى للمستهلكين من استخدام للبيانات وممارسات التصميم.
بدورها الصين، لأسباب سياسية مختلفة، فرضت ضوابط صارمة على التطبيقات العاطفية التلاعبية المزعزعة للاستقرار الاجتماعي. بيد أن هذه النماذج لا تزال غير كاملة ومتباينة أيديولوجياً، لكنها تشترك في إدراك أمر حاسم: التقنيات العاطفية الغامرة ليست محايدة. فإن كان لابد من جعل الاصطناعي جزءاً من حياتنا الحميمة، فلا بد من أخذ شروط الموافقة والاعتماد والرعاية على محمل الجد. أما البديل فهو السماح لبعض الشركات في العالم بتصميم البنية التحتية العاطفية للمجتمع بصمت !.
“آلات الحب” كتاب يحاول أن يُظهر كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الحميمية والرعاية والتواصل إبان الغوص في أعماق القصص الإنسانية الحقيقية.

Leave a Comment
آخر الأخبار