الحرية – أنطوان بصمه جي:
في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتسارع فيه الأحداث، تبقى الثقة بالمؤسسات الرسمية والمعلومة الموثقة هي الدرع الحقيقي للمجتمع في وجه الفوضى، غير أن فضاء التواصل الاجتماعي الواسع، بأدواته الرقمية، غالباً ما يتحول إلى أرض خصبة لبذر الأكاذيب وإرباك الرأي العام. حيث شهدت مدينة حلب أمس حالة من الازدحام غير المسبوق أمام محطات الوقود، بعد تداول شائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن انقطاع وشيك لمادتي البنزين والمازوت في المدينة.
وتحولت شوارع حلب الرئيسية ومداخلها إلى ما يشبه المواقف الجماعية للسيارات، التي اصطفت في أرتال طويلة امتدت لمسافة كيلومترين عند بعض المحطات على طريق حلب – دمشق وضمن المدينة، في مشهد استدعى تدخلاً رسمياً عاجلاً لطمأنة المواطنين وكشف حقيقة الموقف.

مخزون استراتيجي
من جانبه، سارع مدير فرع محروقات حلب، محمد وردة، إلى نفي الشائعات بشكل قاطع في تصريح لمديرية إعلام حلب، مؤكداً أنه “لا صحة للشائعات المتداولة حول انقطاع المحروقات أو ارتفاع أسعارها في مدينة حلب”.
وكشف وردة عن معلومة مطمئنة للمواطنين، مفادها أن التوريدات مستمرة بشكل اعتيادي، بل إنه تم الطلب بزيادة الكميات لتعزيز المخزون وضمان استقرار التزويد، وأضاف أن “المحروقات بكل أنواعها متوفرة بكميات كبيرة في مصفاة بانياس”، مؤكداً أنه سيتم رفد المحافظة بالكميات المطلوبة خلال الساعات القليلة المقبلة.
المحافظ يرد
وفي أول رد فعل رسمي، خرج محافظ حلب عزام الغريب، عبر صفحته الشخصية على فيسبوك ليؤكد أن “الكميات المخصصة لمحافظة حلب تدخل السوق يومياً وبالوتيرة المعتادة نفسها”، نافياً وجود أي تخفيض في التوريدات، وطمأن المحافظ الأهالي بأن جهود وزارة الطاقة مستمرة من دون انقطاع، معبراً عن تفهمه للقلق الذي أصابهم جراء هذه الشائعات، وقال: “نحن نقدّر تخوفكم وحرصكم على تأمين احتياجاتكم”.
لكن الرسالة الأهم التي حملها منشور المحافظ كانت تحذيرية بامتياز، حيث كشف النقاب عن وجود أيادٍ خفية تستغل الذعر الشعبي، وأكد الغريب أن “بعض تجار الأزمات وضعاف النفوس يحاولون تخزين الوقود والمتاجرة به بطرق غير مشروعة”، مشدداً على أن الجهات المعنية تتابع هذا الملف بشكل مباشر وبالتنسيق مع وزارة الطاقة، متوعداً باتخاذ أقصى الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه في هذه الممارسات.
أزمة ثقة أم حالة ذعر؟
على أرض الواقع، لم تكن الصورة أقل تعقيداً، فقد رصدت “الحرية” حالة من التفاوت في الإقبال على المحطات، حيث تركزت الضغوط بشكل كبير على المحطات الواقعة في الشطر الغربي من المدينة، بينما بدت محطات الشطر الشرقي أقل ازدحاماً. هذا التفاوت خلق شعوراً عاماً بالشح، في وقت تزيد فيه الحرب الإقليمية التوترات العالمية على أسعار النفط.
وعبر عدد من أصحاب السيارات وسائقي التكسي عن مخاوفهم من الأجواء الدولية المتوترة في المنطقة والتي أثرت سلباً على أسعار النفط عالمياً، وهذا أعطاهم شعوراً بأن التوريدات المحلية قد تتراجع”.
هذه المخاوف، وإن بدت منطقية في سياقها، إلا أنها أدت إلى تدافع غير مسبوق على المحطات، بلغ ذروته بنفاد الوقود من خزانات بعض المحطات بشكل مؤقت بسبب الإقبال الكبير.
الوعي هو خط الدفاع الأول
وسط هذه الازدحامات، تبقى الدعوة الرسمية إلى متابعة الصفحات الرسمية واستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة هي السبيل الوحيد لتجنيب المدينة تكرار مثل هذه المشاهد الفوضوية. وبينما تتخذ الجهات المختصة إجراءاتها بحق من تسول له نفسه استغلال الأزمات، يبقى “بوعي المواطن نتجاوز كل التحديات” كما قالها محافظ حلب، فالمشهد الذي عاشته حلب أمس وتعيشه الآن من طوابير على الغاز ومحطات المحروقات لم يكن سوى إنذار مبكر بأن الحرب على الوعي لا تقل شراسة عن أي تحدٍ آخر.