أزمة الطاقة العالمية… هل تتحول إلى فرصة ذهبية لسوريا؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ نهلة ابوتك:

يشهد العالم اليوم اضطراباً غير مسبوق في أسواق الطاقة، وسط صعود مستمر لأسعار النفط والغاز وتصاعد الحرب على إيران، ما ينعكس على حركة الشحن والاستثمار والسياحة العالمية.

بالنسبة لسوريا، يرى الخبير الاقتصادي في مجال الاستثمار والتمويل الدكتور رازي محي الدين أن هذه التحديات ليست مجرد أزمات، بل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس أكثر استدامة ومرونة، موضحاً أن سوريا ليست اقتصاداً نفطياً ضخماً، وهذا يمنحها هامشاً كبيراً لتسريع التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة.

مشيراً إلى أن البلاد تمتلك مقومات طبيعية تجعل هذا التحول واقعاً قابلاً للتطبيق، أهمها: الطاقة الشمسية، حيث تشهد معظم المناطق فيها سطوعاً مرتفعاً على مدار العام، ما يجعل الاستثمار في محطات الطاقة الشمسية خياراً اقتصادياً واستراتيجياً.

إضافة إلى ذلك، توفر المناطق الساحلية والمرتفعات إمكانية تطوير مشاريع طاقة الرياح، ما يتيح بناء قطاعات طاقة متجددة قوية تدعم شبكة الكهرباء الوطنية، تقلل الاعتماد على الوقود التقليدي، وتخلق فرص عمل جديدة، فضلاً عن استقطاب الاستثمارات المحلية والعربية.

الفرص لا تقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد إلى الزراعة المستدامة، الخبرة الطويلة لسوريا في المجال الزراعي تجعلها مؤهلة لتطوير أنماط ذكية منخفضة الاستهلاك للطاقة والمياه، تعزز الأمن الغذائي وتخفض تكاليف الإنتاج، وهو ما يعتبر جزءاً أساسياً من اقتصاد أخضر متكامل، ويضيف الخبير إن مرحلة إعادة الإعمار تشكل فرصة نادرة لتطبيق معايير البناء الأخضر وكفاءة الطاقة، ما يخلق مدناً أكثر استدامة ويجعل الاقتصاد الوطني أقل هشاشة أمام تقلبات أسعار الطاقة العالمية.

لكن التحدي الحقيقي، كما يؤكد محي الدين، لا يقتصر على الموارد الطبيعية، بل يشمل البيئة الاقتصادية التي تسمح بتحويل هذه الفرصة إلى واقع ملموس، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر يحتاج إلى إطار تشريعي واضح ومُحفز، يبدأ بتسهيل إجراءات الاستثمار وتقليل الرسوم وتسريع الترخيص، ولا ينتهي بتطوير نظام تمويل قادر على دعم المشاريع الجديدة، خصوصاً في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة والبنية التحتية الخضراء.

مشيراً الى أن أزمة الطاقة العالمية نفسها يمكن أن تكون دافعاً لتسريع الإصلاحات الاقتصادية، فارتفاع أسعار النفط والغاز يجعل الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة أكثر جاذبية، ويتيح فرصاً للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع المستثمرين للبحث عن مصادر بديلة، وسوريا تمتلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والزراعة المستدامة لتكون جزءاً من هذا التحول، إذا توفرت أدوات التمويل المناسبة، يمكن تحويل هذه التحديات إلى محرك اقتصادي حقيقي.

ويضيف محي الدين إن الاستفادة من الأزمة تتطلب خطوات عملية على الأرض تشمل حل المشكلات الحدودية لتسهيل حركة الصادرات، تطوير القطاع المالي من خلال إنشاء صناديق استثمار وبنوك متخصصة، مكافحة البيروقراطية والفساد لضمان الشفافية، ترشيد الإنفاق الحكومي نحو القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص و”هذه الإجراءات ليست رفاهية، بل أساس تحويل الأزمة الإقليمية إلى فرصة اقتصادية حقيقية، وإطلاق نمو مستدام قائم على الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والزراعة المستدامة والبنية التحتية الحديثة، يؤكد محي الدين.

وعلى صعيد التمويل، يشدد الخبير الاقتصادي على أن أي تحول اقتصادي ناجح لا يمكن أن يتم دون معالجة قضية التمويل في السوق السورية، أهمها تطوير أدوات التمويل الحديثة مثل صناديق الاستثمار والبنوك الاستثمارية، وتمويل المشاريع الخضراء، سيكون محورياً لإطلاق مشاريع الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة وإعادة الإعمار الأخضر، هذا هو المفتاح لتمكين سوريا من الاستفادة الحقيقية من أزمة الطاقة العالمية.

مشيراً إلى أن الأزمات الكبرى كثيراً ما تمثل نقطة تحول في تاريخ الدول.

الحرب على إيران وما تفرضه من اضطرابات في أسواق الطاقة تشكل تحدياً لسوريا، لكنها في الوقت ذاته فرصة لإعادة التفكير في نموذج الاقتصاد الوطني، ويضيف: إذا توفرت الإرادة الإصلاحية، والبيئة الاستثمارية الجاذبة، ونظام التمويل القادر على دعم المشاريع الجديدة، يمكن لسوريا أن تتحول من متلقٍ لتأثيرات الأزمات إلى دولة قادرة على تحويل هذه التحديات إلى محرك لنمو اقتصادي مستدام، قائم على الطاقة المتجددة والزراعة الذكية والبنية التحتية الخضراء، وبذلك يصبح الاقتصاد الأخضر خياراً استراتيجياً حقيقياً لمستقبل سوريا.

Leave a Comment
آخر الأخبار