الحرية – د. رحيم هادي الشمخي:
المشكلة واسعة ومعقّدة، ويصعب إيجاد حل للخلاص من أزمة الكتابة القصصية العربية في الوقت الحاضر. وتستحق هذه الأزمة أن تُطرح قضاياها في ندوات يدور فيها حوار جادّ بنّاء بين الأدباء والنقّاد من ناحية، والشباب من ناحية أخرى. وإذا اقتصرنا الحديث على وضع الكتابة القصصية العربية الآن، فإنه يتضح من تأمل هذا الوضع أن أسماء المؤلفين التي تملأ الجو الأدبي العربي في الوقت الحاضر هي نفسها تلك التي كانت سائدة منذ خمسين سنة، ولا نرى في الأقلام الجديدة التي ظهرت على مدى هذه العقود إلا قلة لا تكاد تُذكر.
فهل يعني ذلك أن المواهب القصصية عندنا ـ نحن العرب ـ في طريقها إلى النضوب؟ وما الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع الذي يبدو مخالفاً لطبيعة التطور؟
ومن الأسباب أيضاً أنه ليست لدينا سياسة ثقافية واضحة المعالم، محددة الطريق والأهداف، أو ربما كانت لدينا سياسة ثقافية، غير أنه ما زال يسودها كثير من التخبّط والعجز عن اكتشاف هويتها وشخصيتها. فنحن ما زلنا حائرين بين انغلاق على تراث لنا لم نعرف كيف نخدمه حق الخدمة، ولا كيف نستمد منه قوة دافعة تفيدنا في مستقبلنا، وبين انفتاح مضطرب غير ذي منهج، ما يجعلنا قاصرين عن الاستفادة منه في ربط ثقافتنا بتيارات الثقافة العالمية الحديثة.
أما مناهج التعليم عندنا في البلاد العربية –على شتى المستويات– فهي مسؤولة إلى حد بعيد عن واقعنا الأدبي المتخلّف. فهي لا تعين على اكتشاف المواهب الأدبية، ولا على تشجيعها وصقلها والأخذ بيدها حتى تؤتي أُكلها. ثم إنها لا تكون بعد ذلك جمهوراً يحسن تلقّي الأعمال الأدبية الجيدة، ولا ترفع بذوق ذلك الجمهور.
إن فن الكتابة الروائية والقصصية ليس ما يبدو في ظاهره – ولاسيما لجيل الشباب – أمراً سهلاً خفيف المرونة يستطيع كل من توهم نفسه القدرة عليه أن يخوضه، بل هو عمل في غاية التعقيد والصعوبة، وثَقل التبعة.
وإذا أشرنا إلى القصة القصيرة، فإن الكثيرين يستسهلونها، وربما غرّهم منها أنها لا تعدو صفحات قليلة. ولكنهم قد لا يعرفون أن كتابة القصة القصيرة بما فيها من تركيز وتكثيف ومعرفة اختيار “اللحظة” التي يتوقف عندها الكاتب ليسلط الأضواء على حدث أو سلوك مهما كان صغره الظاهري، ربما كانت أصعب بكثير من كتابة الرواية الطويلة.