الحرية – فادية مجد:
يقضي الموظفون ساعات طويلة يومياً إلى جانب زملائهم، يتشاركون خلالها المسؤوليات والضغوط، ما يجعل طبيعة العلاقة بينهم عاملاً حاسماً في استقرار العمل وحسن إنجازه ، ومن هنا تبرز أهمية فهم كيفية بناء علاقة مهنية سليمة، خالية من التشنج، قائمة على الاحترام المتبادل ووضع الحدود الواضحة .
أسس العلاقة
وفي هذا السياق أفادت لـ(الحرية) المدرّس في كلية التربية – قسم الإرشاد النفسي الدكتورة مايا بركات أن بناء علاقة جيدة مع زملاء العمل يقوم على مزيج من الاحترام المتبادل والوضوح، مؤكدة أن التعاون هو الغاية الأساسية من وجود الزملاء داخل بيئة العمل.
وأوضحت أن التعاون، رغم ضرورته، قد يتحول إلى استنزاف إذا غابت الحدود المهنية، فالحدود الصحية تحمي طاقة الفرد وتحافظ على جودة العلاقات ، مشيرة إلى أن العلاقة المهنية السليمة علاقة تكاملية تقوم على التعاون الواعي، أي معرفة متى نعطي ومتى نأخذ، وعلى الحدود التي تحدد متى نقول نعم ومتى نقول لا، إضافة إلى الاحترام الذي يسمح بالاختلاف في الرأي دون المساس بالقيمة الإنسانية للآخر.
احترام وثقة
وبينت الدكتورة بركات أن الاحترام يشكل الأساس الأول للعلاقات الصحية بين زملاء العمل ، ويتضمن احترام الوقت، وتقبّل اختلاف أساليب العمل، وعدم مقاطعة الآخرين أثناء الحديث، وتجنب فرض الرأي بالقوة، مؤكدة أن الاحترام لا يعني الموافقة، بل تقدير الإنسان حتى عند الاختلاف ، لافتة إلى أن الثقة المتبادلة عنصر محوري، فهي تقوم على حفظ الأسرار المهنية والوفاء بالوعود، ما يعزز الشعور بالأمان داخل الفريق ، كما أن التواصل الشفاف يمثل ركيزة أساسية، لأنه يسمح بقول الحقيقة بوضوح ولطف، ويتيح تقديم النقد البنّاء دون تجريح، الأمر الذي يساعد على حل المشكلات بدل تضخيمها .
وفي السياق ذاته، لفتت إلى أهمية الحدود الصحية، موضحة أن عدم تحميل الزملاء مسؤولية المشكلات الشخصية وعدم مشاركة التفاصيل الخاصة يحافظان على توازن العلاقات المهنية ، موضحة أن التركيز على الحلول بدل اللوم يرفع من جودة العمل، فالمطلوب عند حدوث مشكلة هو البحث عن حل لا عن متهم.
التعاون الإيجابي
وانتقالاً إلى التمييز بين التعاون الإيجابي وتجاوز الحدود، أوضحت الدكتورة بركات أن الفارق بينهما دقيق لكنه حاسم ، فالتعاون الإيجابي متبادل، يحدث في ظروف استثنائية كأوقات الضغط أو الحاجة إلى خبرة خاصة، ولا يضر بمهام الموظف الأساسية، كما يتيح له حرية القبول أو الرفض دون شعور بالذنب ، أما تجاوز الحدود فهو أحادي الاتجاه، يحدث بشكل يومي، ويؤدي إلى تأخير العمل أو تراجع جودته، ويجعل الموظف غير قادر على الرفض خوفاً من التوتر أو التقييم، إضافة إلى أنه ينقل المسؤولية إليه ضمنياً، ويجعله يعمل نيابة عن الآخر ، مؤكدة أن النموذج الصحي يقوم على مبدأ أساعدك عند الحاجة ، وتساعدني عند الحاجة، لكن لكل منا مسؤولياته الأساسية.
نصائح لبناء علاقة صحية
وفيما يتعلق بالطريقة الأنسب لوضع حدود مهنية دون خلق توتر، بينت أن الأمر مهارة تكتسب بالممارسة، وأن الحدود الصحية تحسّن العلاقات إذا وضعت مبكراً وبأسلوب يركز على العمل لا على الشخص ، ونصحت بمصارحة الزميل بأن كثرة المهام خارج نطاق المسؤوليات بدأت تؤثر على العمل الأساسي، مع إبداء الاستعداد لتقديم الإرشاد أو المراجعة بدل تنفيذ المهمة عنه ، كما دعت إلى تجنب العبارات الاتهامية، واستبدالها بعبارات مهنية مثل: “أحتاج إلى تنظيم وقتي”، أو “يمكنني مساعدتك لاحقًا” ، وشددت على عدم الاعتذار عن الحدود الطبيعية والاكتفاء بقول شكرًا لتفهمك ، مع الالتزام بما تم الاتفاق عليه.
وأكدت الدكتورة بركات أن النصيحة الذهبية لبناء علاقة مهنية متوازنة هي الوضوح، والمساعدة عندما نستطيع، مع عدم القبول بأن يكون وقت الموظف أقل احتراماً من وقت الآخرين، وعدم تحمل مسؤوليات لا تخصه بشكل دائم ، وختمت بقولها: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، ولا تسمح لهم أن يعاملوك بأقل مما تستحق.