الحرية ـ خليل اقطيني:
ينظر المراقبون إلى الرحلة التي أقلعت فيها الطائرة من مطار دمشق الدولي، وحطت في مطار القامشلي الدولي في الحادي والعشرين من شباط الماضي، على أنها رحلة غير عادية.
فهي بنظر المراقبين رحلة استثنائية حملت على أجنحتها العديد من الرسائل الهامة، أهمها أن الدولة السورية بدأت فعلياً ببسط سيطرتها على محافظة الحسكة ومنها مؤسسة المطار، في حالة رمزية لعودة كامل التراب السوري إلى حضن الوطن.
الرسالة الثانية أن هذه أول رحلة لطائرة مدنية سورية إلى المطار منذ سقوط النظام البائد، ما يشير إلى بدء ضخ الدماء “الوطنية” -إن جازت التسمية- في جسد المؤسسات الحكومية في هذه المحافظة ما يجعلها تنبض بالحياة، وتنطلق إلى خدمة الناس.
المهمة الأولى
وحسب بيان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، حملت الطائرة على متنها وفداً رسمياً برئاسة معاون رئيس الهيئة أمجد نخال، استعداداً لاستئناف حركة التشغيل فيه وتمهيداً لإعادته إلى الخدمة بعد توقفٍ دام أكثر من عام.
إضافة إلى معدات وأجهزة ومواد لوجستية، وفرق هندسية وفنيين من الهيئة العامة للطيران المدني، الذين باشروا على الفور أعمال إعادة تشغيل المطار.
وكانت المهمة الأولى للوفد الرسمي والفني -حسب البيان- هي تفقد آثار الهجوم الإسرائيلي على المطار إثر سقوط النظام البائد، وتبين أن معظم بنيته التحتية نجت من ذلك الهجوم الغاشم، إذ على الرغم من تضرر بعض الشاحنات والمباني، بقي المدرج وحظائر الطائرات بحالة جيدة.
وأكد الفنيون في تقريرهم إلى هيئة الطيران المدني أن مدرج المطار بحالة مقبولة نسبياً، مقدرين أن استئناف التشغيل الأساسي للمطار ممكن جداً.
ثم قام الوفد الذي ضم عدداً من مديري الإدارات في الهيئة بجولة ميدانية، برفقة العاملين في المطار، اطّلعوا خلالها على الواقع التشغيلي والفني والإداري، وبحثوا آليات إعادة تشغيل المطار “وفق أعلى المعايير الدولية المعتمدة في مجال الطيران المدني، بما يضمن سلامة العمليات وجودة الخدمات المقدّمة”، وذلك بعد الانتهاء من أعمال الصيانة وتركيب الأجهزة وإعادة ربط المطار بالشبكة السورية.
تحديث شامل
وبناء على تلك الجولة الميدانية، وتقارير الخبراء والفنيين المختصين بدأت في 25 شباط المنصرم، أعمال إعادة تأهيل المطار.
وذكر مدير الاتصال الحكومي في الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي علاء الصلال، أن أعمال تأهيل مطار القامشلي الدولي مستمرة بوتيرة متسارعة وفق أعلى المعايير الفنية، لضمان عودته إلى الخدمة بكفاءة وجاهزية تامة في أقرب وقت ممكن.
الصلال: الأعمال تسير وفق أعلى المعايير الدولية المعتمدة في مجال الطيران المدني
مبيناً أن أعمال الصيانة وإعادة التأهيل شملت محيط المدرج والساحات، وإعادة معايرة أجهزة الملاحة، وإصلاح برج المراقبة وأنظمة الإضاءة، وتوفير طاقم مؤهل من المراقبين الجويين، إضافة إلى تحديث شامل للأنظمة التقنية والاتصالات، بما يضمن توافق المطار مع أعلى المعايير الدولية المعتمدة.
وأضاف الصلال: هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في مسار إعادة تنشيط الحركة الجوية في المنطقة الشمالية الشرقية، بما يسهم في دعم الحركة الاقتصادية والخدمية، وتسهيل تنقل المواطنين، وتعزيز الربط الجوي بين المحافظات السورية.
موضحاً أن إعادة تشغيل المطار تمثّل خطوة مهمة في تعزيز الربط الجوي ودعم الحركة الاقتصادية والخدمية في المنطقة.
الصلال أشار إلى أن إعادة تشغيل المطار تأتي في إطار الالتزام بخدمة أهالي المنطقة، وتسهيل تنقلهم، وتلبية احتياجاتهم الإنسانية والمعيشية، بما يعزز الاستقرار ويرسّخ حضور مؤسسات الدولة في مختلف المناطق.
لافتاً إلى أن التأهيل الحالي ينطلق من جهود الهيئة لتعزيز البنية التحتية للمطارات في البلاد، وتحسين مستوى السلامة والخدمات للمسافرين.
وأوضح الصلال أن مطار القامشلي الدولي يعد واحداً من المطارات الاستراتيجية في محافظة الحسكة، ويسهم في ربط المحافظة بالمحافظات الأخرى، وشكّل لسنوات شرياناً حيوياً لسكان المحافظة، لاسيما منذ اندلاع الثورة ضد النظام المخلوع عام 2011، حيث كانت هناك رحلات منتظمة بين مطارات دمشق وحلب وبيروت من جهة ومطار القامشلي من جهة ثانية، ما يجعل إعادة تشغيله خطوة مفصلية على صعيد الحركة المدنية والاقتصادية في شمال شرقي البلاد، ويخفف معاناة وأعباء كثير من المسافرين بعد اضطرارهم إلى سلوك طرق بديلة شاقة ومكلفة.
شريان حياة
منح موقع المطار الإستراتيجي قرب الحدود مع تركيا والعراق، أهمية خاصة.
حيث وفّر في ذروته رحلات جوية حيوية إلى دمشق وحلب، بل حتى وجهات دولية من خلال رحلات الترانزيت، وكان بمثابة شريان حياة للمجتمعات الحدودية البعيدة عن قلب البلاد.
الرجا: المطار شريان حياة لمحافظة عانت من تهميش النظام البائد للاتصال بقلب البلاد والعالم الخارجي
وبحسب مدير النقل في محافظة الحسكة رشيد الرجا كان المطار يخدم عشرات الآلاف من الركاب سنوياً، وكان في هذه المحافظة، التي طالما عانت من التهميش من النظام البائد، الوسيلة العملية الوحيدة للاتصال ببقية أنحاء البلاد، وبالتالي بالعالم الخارجي.
مبيناً في تصريح لـ”الحرية” أن مطار القامشلي تأسس كمنشأة جوية في خمسينيات القرن الماضي، حيث استقبل المطار سنة 1953 طائرة (( الخطوط الجوية السورية — Syrian Airways)) من نوع دوغلاس / دي سي 3 والقادمة من مطار المزة في دمشق.
وفي السادس من مايو/أيار سنة 1961م، استقبل المطار طائرة قادمة من مطار حلب الدولي، من طراز دوغلاس Douglas C-47B تابعة لشركة الطيران الوطنية السورية التي كانت تسمى “الخطوط الجوية العربية المتحدة”.
ويضيف الرجا: مطار القامشلي الدولي أو Qamishli Airport يحمل رمز KAC من الاتحاد الدولي للنقل الجوي اياتا، ورمز OSKL من المنظمة الدولية للطيران المدني ايكاو.
موضحاً أنه يضم صالات للقادمين والمغادرين وقاعات ومكاتب الخدمات المختلفة،
ويحتوي على مدرج واحد بطول 3615 متراً وعرض 46 متراً يصلح لاستقبال أغلب أنواع الطائرات التجارية الكبيرة.
كما يحتوي علي برج مراقبة جوية ومبنى للركاب مقسم إلى صالتي السفر والوصول، ومنطقة إدارية تضم قسم الجمارك وشحن البضائع وصالات انتظار وتموين وصيانة للطائرات.
وحسب الرجا أصبح المطار يعمل دولياً بشكل رسمي بعد أن حطت فيه أول طائرة دولية قادمة من ستوكهولهم إلى القامشلي مباشرة بتاريخ 6 حزيران عام 2011.
أهمية استراتيجية
ويتميز مطار القامشلي بأهميته الاستراتيجية الخاصة، إذ يُعَد المطار الوحيد في محافظة الحسكة.
وحسب رئيس غرفة التجارة والصناعة في محافظة الحسكة محمد خير شيخموس يمكن لإعادة فتح مطار القامشلي أن يعيد ربط سكان المنطقة بعائلاتهم، وتعليمهم، وأسواقهم.
شيخموس: المطار سيكون جسراً لرأب الفجوات وتوحيد المجتمعات وتحسين سبل العيش
مشيراً بحديثه لـ”الحرية” إلى معاناة آلاف الطلاب من محافظة الحسكة الذين يدرسون في دمشق وبيروت وخارجها من رحلات برية طويلة ومُرهقة بالحافلات، ووجود مطار فعّال في محافظة الحسكة من شأنه أن يقلص بشكل كبير مدة السفر.
وبالمثل، يمكن لمرضى السرطان الذين يسافرون براً إلى حلب أو دمشق أو خارج البلاد لتلقي العلاج أن يطيروا مباشرة إلى المستشفيات المتخصصة.
كما يمكن أن يشجع وجود طريق جوي آمن ومباشر السوريين المقيمين في أوروبا على زيارة وطنهم بشكل أكثر تكراراً.
ويشير شيخموس إلى أن إعادة فتح مطار القامشلي في محافظة الحسكة من شأنه تعزيز الاستثمارات وتسهيل عودة المغتربين المتحمسين للعمل الاقتصادي، وتنظيم رحلات شحن لتصدير المنتجات الزراعية الطازجة والمواشي إلى تركيا والعراق، بالإضافة إلى تشجيع تطوير البنية التحتية مثل إعادة بناء الطريق السريع المجاور والفنادق ومرافق الحدود.
ويؤكد شيخموس أن مطار القامشلي من شأنه دمج محافظة الحسكة في شبكات التجارة الإقليمية، ما قد يجذب شركات طيران من العراق أو لبنان لتنظيم رحلات تشارتر أو رحلات منخفضة التكلفة، مشدداً على الأثر الاقتصادي الكبير للمطار.
خطوة مؤسسية مهمة
أخيراً وصفت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي استلام مطار القامشلي وإعادة تأهيله تمهيداً لوضعه بالخدمة بـ”خطوة مؤسسية مهمة ضمن مسار توحيد إدارة المطارات تحت مظلة الدولة، وضمان تشغيلها وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة الدولية”.
وأشارت الهيئة في بيان إلى أنه -وبالتوازي مع إعادة تأهيل مطار القامشلي- تتواصل أعمال الصيانة والتأهيل في مطار دير الزور بوتيرة متسارعة، حيث يجري العمل على مدار الساعة لإعادة الجاهزية التشغيلية لكلا المطارين معاً.

